تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
ولم يتغير . وقيل لأبي محمد المرتعش رضي اللّه تعالى عنه : إن فلانا يمشي على الماء . قال : عندي من مكنه اللّه من مخالفة هواه ، فهو أعظم من المشي على الماء وفي الهواء انتهى . ومخالفة الهوى إنما تكون بالزهد في كل شيء والغيبة عن كل شيء . وكان شيخ شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول : لا تفرحوا للفقير إذا رأيتموه يصلي كثيرا أو يذكر كثيرا أو يصوم كثيرا أو يعتزل كثيرا حتى تروه زهد في الدنيا ورحل عنها ، ولم يبق له التفات إليها ، فحينئذ يفرح به ولو قلت صلاته وصيامه وذكره وعزلته . قلت : ومثل هذا تقدم في قوله : ما قل عمل برز من قلب زاهد ، وكذلك قال في التنوير : لا تدل على فهم العبد كثرة علمه ولا مداومته على ورده ، وإنما يدل على نوره وفهمه غناه بربه ، وانحياشه إليه بقلبه ، وتحرره من رق الطمع ، وتحليه بحلية الورع ، وبذلك تحسن الأعمال وتزكوا الأحوال انتهى . فما قاله شيخ شيخنا صحيح ، لكن لا يفهمه إلا أهل الفن من أهل الذوق ، إذ لا يجتمع مجاهدة ومشاهدة ، وإنما تكون المجاهدة أولا ، فإذا حصلت المشاهدة في الباطن ركدت الجوارح في الظاهر ، وما بقي إلا فكرة أو نظرة ، والأدب مع الحضرة . وربما يعترض على الشيخ من لم يعرف مقصوده من جهلة علم الطريق ، وباللّه التوفيق . وإنما يتحقق طي مسافة الدنيا بتحقق الزهد فيها ، ولا يتحقق الزهد فيها إلا برفع الهمة عن الخلق ، والتعلق بالملك الحق ، وبالإياس مما في أيدي الناس ، كما أبان ذلك بقوله :

88 - العطاء من الخلق حرمان ، والمنع من اللّه إحسان .

قلت : إنما كان العطاء من الخلق حرمانا لثلاثة أوجه : أحدها : ما في ذلك من حظها وفرحها والتوصل إلى شهواتها وحظوظها ، وفي ذلك موت القلب وقسوته . الوجه الثاني : ما في ذلك من نقص الدرجات ، والغض عن كمال المراتب والمقامات ، ولذلك ترك الأكابر التمتع بالشهوات لقوله تعالى :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
[ الأحقاف : 20 ] ، وقد يتعرض المريد للسؤال