الأرض فيحبّه أهل الأرض « 1 » » ، وفي رواية « يلقى له القبول في الماء فيشربه الناس فيحبّونه جميعا » ، أو كما قال عليه السلام . وسبب حب اللّه للعبد هو زهده في الدنيا .
ففي حديث الترمذي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « ازهد في الدّنيا يحبّك اللّه ، وازهد فيما في أيدي النّاس يحبّك النّاس « 2 » » ، ثم اعلم أن هذا العز الذي يعطيه اللّه لأوليائه لا يكون في بدايتهم ، ولا في أول أمرهم ، لئلا يفتنهم الخلق عن الوصول إلى الحق ، بل من لطف اللّه بهم وغيرته عليهم أن ينفر عنهم الخلق ، أو يسلط عليهم حتى يتخلصوا من رق الأشياء ويتحققوا بالوصول والتمكين ، فحينئذ إن شاء أظهر عزهم لينفع بهم عباده ويهدي بهم من شاء من خلقه ، وإن شاء أخفاهم واستأثر بعزهم ، حتى يقدموا عليه فينشر عزهم ، ويظهر مكانتهم في دار لا فناء لها ، وسيأتي الكلام على هذا في محله إن شاء اللّه .
ثم ذكر الشيخ سبب العز الذي لا يفنى وهو الزهد في الدنيا كما ذكرنا ، فقال :
87 - الطيّ الحقيقيّ أن تطوي مسافة الدنيا عنك ، حتّى ترى الآخرة أقرب إليك منك
قلت : الطي : هو اللف والضم بحيث يصير الطويل قصيرا والكبير صغيرا .
يقال : طويت الثوب أي ضممته ، وينقسم عند الصوفية إلى أربعة أقسام : طي الزمان ، وطي المكان ، وطي الدنيا ، وطي النفوس . فأما طي الزمان : فهو أن يقصر في موضع ، ويطول في موضع آخر ، كمن مر عليه سنون في موضع ، وفي موضع آخر ساعة أو يوم ، كالرجل الذي خرج يغتسل في الفرات يوم الجمعة قرب الزوال ، فلما فرغ من غسله لم يجد ثيابه ، فسلك طريقا حتى دخل مصر فتزوج فيها ، وولد له أولاد وبقي سبع سنين ، ثم ذهب يغتسل يوم الجمعة بنيل
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 175 ) ، ومسلم ( 4 / 2030 ) ، وأحمد ( 2 / 413 ) .
( 2 ) رواه أحمد في جامع العلوم والحكم ( 1 / 10 ) ، والطبراني في الكبير ( 6 / 193 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 7 / 136 ) .