تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
مصر ، فلما فرغ فإذا ثيابه الأولى ، فسلك طريقا فإذا هو ببغداد قبل صلاة الجمعة من ذلك اليوم الذي خرج فيه ، والحكاية مطولة للفرغاني في « شرح التائية » . وأما طي المكان : فمثاله أن يكون بمكة مثلا ، فإذا هو بغيرها من البلدان وهذا مشهور لأولياء اللّه . قال الشيخ أبو العباس رضي اللّه تعالى عنه : واللّه ما صار الأولياء من قاف إلى قاف حتى يلقوا رجلا مثلنا ، فإذا لا قوه كان بغيتهم . وأما طي الدنيا : فهو أن تطوي عنك مسافتها بالزهد فيها ، والغيبة عنها وحصول اليقين التام في قلبك حتى يكون الآتي عندك واقعا أو كالواقع ، وسيأتي للشيخ : لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها ، ولرأيت الدنيا وكسفة الفناء ظاهرة عليها ، وسيأتي تتمة الكلام على هذه الحكمة ثمّ إن شاء اللّه . وأما طي النفوس : فهو بالغيبة في اللّه عنها ، وبذلك يتحقق الزوال وتمام الوصال . وقد ذكره الشيخ بقوله فيما يأتي : ليس الشأن أن تطوى لك الأرض ، فإذا أنت بمكة ، أو غيرها من البلدان ، إنما الشأن أن تطوى عنك أوصاف نفسك ، فإذا أنت عند ربك انتهى . وهذا هو الطي الحقيقي المعتبر عند المحققين ، لا طي الزمان أو المكان ، إذ قد يكون استدراجا أو مكرا أو تخيلا وسحرا ، فالطي الحقيقي هو أن تطوى عنك مسافة الدنيا كلها حتى يكون الموت أقرب إليك من نفسك التي بين جنبيك ، وكما قال الصديق رضي اللّه تعالى عنه :
كلّ امرئ مصبّح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله
وحتى ترحل عنها بالكلية فلا تبقى فيك منها بقية ، هنالك ترحل إلى عالم الملكوت وتكشف لك أسرار الجبروت . وقد قيل : في قوله عليه السلام : « الدّنيا خطوة مؤمن « 1 » » بمعنى أنه يتخطاها بالزهد فيها ، وقال بعضهم : لا تتعجبوا ممن يدخل يده في جيبه فيخرج ما يريد ، ولكن تعجبوا ممن يضع يده في جيبه ولم يجد شيئا ،
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 223 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى