الباب العاشر
قال رضي اللّه تعالى عنه :
89 - جلّ ربّنا أن يعامله العبد نقدا فيجازيه نسيئة .
قلت : النقد ما كان معجلا ، والنسيئة ما كان مؤخرا ، ومن شأن الكريم إذا اشترى شيئا أن ينجز نقده ويزيد إحسانه ورفده ، وقد اشترى الحق تعالى منا أنفسنا وأموالنا فعوضنا بها الجنة ، فمن باع نفسه وماله ونقدهما ، وسلمهما إليه عوّضه اللّه جنة المعارف عاجلا ، وزاده جنة الزخارف آجلا مع ما يتحفه به من أنواع النعيم ، ودوام الشهود والنظر إلى وجهه الكريم ، فجل ربنا أي تنزه وترفع أن يعامله العبد نقدا أي معجلا فيجازيه نسيئة أي مؤخرا ، بل لا بد أن يعجل له ما يليق به في هذه الدار ويدخر له ما يليق به في تلك الدار ، والذي عجل له سبحانه في هذه الدار أمور منها : ما يدفع عنه من المضار ويجلب له من المنافع والمسار ، لقوله تعالى :
وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
[ الأعراف : 196 ] ، وقال تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
[ الطلاق 2 : 3 ] ، وقال تعالى :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ يونس : 62 ] ، وقد يتعدى ذلك إلى عقبه كما تقدم ، ومنها ما يشرق عليه من الأنوار ويكشف لقلبه من الأسرار وهي أنوار التوجه ، وأنوار المواجهة ، قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
[ الأنفال : 29 ] ، وهو نور يفرق بين الحق والباطل ، وقال تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 282 ] ، وقال تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ البقرة : 257 ] ، يخرجهم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، ومن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة ، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة ، ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى ، أو من ظلمة الكون إلى نور المكون ، ومنها