تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
إذا كان من تهوى عزيزا ولم تكن * ذليلا له فاقر السلام على الوصل
وسمعت شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول : قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه : واللّه ما رأيت العز إلا في الذل . وقال شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه : وأنا أقول واللّه ما رأيت الذل إلا في الفقر ، يعني أن الشيخ فسر الذل بالفقر ، إذ لا يتحقق ذل الإنسان إلا بالفقر ، فهو ذل الذل لأن النفس تموت بالفقر ، ولا يبقى لها عرق أصلا ، واللّه تعالى أعلم . وأما العز بطاعة اللّه فهو بالمبادرة لامتثال أمره واجتناب نهيه والإكثار من ذكره وبذل المجهود في تحصيل بره ، وأما العز بالقرب ممن تحقق عزه باللّه فيكون بصحبتهم وتعظيمهم وخدمتهم وحسن الأدب معهم ، وهذا في التحقيق يرجع إلى التعزز باللّه لكونه وسيلة إليه ، فإذا تحقق عزه باللّه استغنى بعز اللّه عن عز غيره ، فمن حصل هذا العز وتحقق به فقد تعزز بعز لا يفنى أبدا ، ينسحب عليه وعلى أولاده وأولاد أولاده إلى يوم القيامة ، قال تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً
[ فاطر : 10 ] ، وقال تعالى :
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
[ المائدة : 56 ] ، والمراد بالذين آمنوا هم الأولياء أهل الإيمان الكامل ، وقال تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ المنافقون : 8 ] . وقال سيدنا عليّ كرم اللّه تعالى وجهه : من أراد الغنى بغير مال والكثرة بغير عشيرة فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة انتهى . فمن تحقق عزه باللّه لم يقدر أحد أن يذله . وانظر قضية الرجل الذي أمر هارون الرشيد بالمعروف ، فحنق عليه ، فقال : اربطوه مع بغلة سيئة الخلق لتقتله ، فلم تقض فيه شيئا ، ثم قال : اسجنوه وطينوا عليه البيت ، ففعلوا . فرؤى في بستان ، فأتي به ، فقال له : من أخرجك من السجن ؟ فقال : الذي أدخلني البستان . فقالوا : ومن أدخلك البستان ؟ فقال : الذي أخرجني من السجن . فعلم هارون أنه لم يقدر على ذله ، فأمر هارون أن يركب على دابة وينادى عليه ، ألا