تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
والضار ، وهو ثمرة التقوى والتصفية ، أو تقول لما فيه من عين البصيرة التي لا ترى إلا المعاني ، بخلاف عين البصر لا ترى إلا الحس ، فتحصّل أن أهل النفوس وقفوا مع ظواهر الأشياء ، واغتروا بعاجلها ، ولم يهتموا بآجلها ، فحجبوا عن العمل وغرهم الأماني وطول الأمل ، وفي مثلهم ورد الخبر عن سيدنا عيسى عليه السلام كان يقول : ويلكم يا علماء السوء مثلكم كمثل قناة حش ، ظاهرها جص ، وباطنها نتن انتهى . والحش هو بيت الخلاء ، وأهل القلوب لم يقفوا مع ظواهر الأشياء بل نفذوا إلى بواطنها واهتموا بآجلها ولم يغتروا بعاجلها ، فاشتغلوا بالجد والاجتهاد ، وأخذوا في الأهبة والاستعداد ، وهم العباد والزهاد ، وأهل الأرواح والأسرار لم يقفوا مع الأكوان ، لا ظاهرها العاجل ، ولا باطنها الآجل ، بل نفذوا إلى نور الملكوت ، فاشتغلوا بتطهير القلوب والتأهب لحضرة علام الغيوب ، حتى صلحوا للحضرة وتنزهوا في رياض الفكرة والنظرة ،
أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ المجادلة : 22 ] ،
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
[ الواقعة 11 : 12 ] ،
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر : 55 ] ، جعلنا اللّه منهم بمنه وكرمه . وهؤلاء ومن تعلق بهم هم الأعزاء عند اللّه ، تعززوا بطاعة العزيز فأعزهم العزيز ، كما أشار إلى ذلك بقوله :

86 - إن أردت أن يكون لك عزّ لا يفنى فلا تستعزّنّ بعز يفنى .

قلت : العز الذي لا يفنى هو العز باللّه والغنى بطاعة اللّه ، أو بالقرب ممن تحقق عزه باللّه ، فالعز باللّه يكون بتعظيمه وإجلاله وهيبته ومحبته ومعرفته وحسن الأدب معه في كل شيء وعلى كل حال ، ويكون بالرضا بأحكامه ، والخضوع تحت قهر جلاله وكبريائه وبالحياء والخوف منه ، ويكون بالذل والانكسار كما قال الشاعر :
تذلّل لمن تهوى لتكسب عزّة * فكم عزّة قد نالها المرء بالذّلّ