الحي القيوم ، وربما منعك من كثرة العلوم وأعطاك الأنس بالحي القيوم ، فأحطت بكل مجهول ومعلوم . ربما أعطاك عز الدنيا ومنعك عز الآخرة ، وربما منعك من عز الدنيا وأعطاك عز الآخرة . ربما أعطاك التعزز بالخلق ، ومنعك من التعزز بالحق ، وربما منعك من التعزز بالخلق وأعطاك التعزر بالملك الحق . ربما أعطاك خدمة الكون ، فمنعك من شهود المكّون ، وربما منعك من خدمة الكون ، وأعطاك شهود المكوّن . ربما أعطاك التصرف في الملك ومنعك دخول الملكوت ، وربما منعك من التصرف في الملك ومنحك شهود الملكوت . ربما أعطاك أنوار الملكوت فمنعك الترقي إلى بحر الجبروت ، وربما حجب عنك أنوار الملكوت فأعطاك الدخول إلى حضرة الجبروت ، ربما أعطاك القطبانية ومنعك التمتع بشهود الفردانية ، وربما منعك القطبانية ، ومتعك بشهود سر الوحدانية ، إلى غير ذلك مما لا يحصيه إلا علام الغيوب . قال ابن العربي الحاتمي رضي اللّه تعالى عنه :
إذا منعت فذاك عطاؤه ، وإذا أعطيت فذاك منعه ، فاختر الترك على الأخذ انتهى . وشاهده قوله تعالى :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
[ البقرة : 216 ] ، فإذا فهمت هذا علمت أن المنع هو العطاء كما بينه بقوله :
84 - متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء « 1 » .
قلت : إذا فهمت أيها العبد عن اللّه بعد تحققك برحمته ورأفته وكرمه وجوده ونفوذ قدرته وإحاطة علمه علمت أنك إذا سألته شيئا أو هممت بشيء أو احتجت إلى شيء فمنعك منه ، فإنما منعك ذلك رحمة بك وإحسانا إليك ، إذ لم يمنعك من بخل ولا عجز ولا جهل ولا غفلة ، وإنما ذلك حسن نظر إليك ، وإتمام لنعمته عليك لكونه أتم نظرا وأحمد عاقبة :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ
هامش
( 1 ) أثبتها الشارح رضي اللّه تعالى عنه بلفظ " هو عين العطاء " . قال العلامة خلف اللّه إن لفظة " هو " محذوفة في بلقي نسخ التصحيح . وما أثبتناه أصوب وأبلغ ، واللّه تعالى أعلم . وفي شرح سيدي زروق أثبتها بلفظ " هو " وليس ببعيد .