تغطية للعبد في حالة النزول للحق أصلا . وقوله : فهو في كل ذلك محركي غير مسكني يعني أن الحق تعالى حين يقبضه بالخوف أو يبسطه بالرجاء أو يجمعه بالحقيقة أو يفرقه بالحق هو محرك له ليسيره إليه ، ويحوشه إليه غير مسكن له في مقام واحد ، وموحشه عن عالم نفسه غير مؤنس له بها بسبب حضوره مع عوالمه البشرية ، فيذوق طعم وجودها ، فإذا غيبه عنه عرف قدر ما من به عليه ، ولذلك قال : فليته أفناني عني أي عن رؤية وجودي ، فمتعني بشهوده ، أو غيبني عن حسي ، فروحني من الحقوق التي تفرقني عنه ، بإسقاطها عني في حالة الغيبة ، وكأنه مال إلى طلب السلامة ، خوفا من الوقوع فيما يوجب الملامة ، وإن كان الكمال هو الجمع بين العبودية وشهود الربوبية ، واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر أسباب القبض والبسط وهو العطاء والمنع في الغالب فقال :
83 - ربّما أعطاك فمنعك ، وربّما منعك فأعطاك .
قلت : الغالب على النفس الأمارة واللوامة أن تنبسط بالعطاء ، وتنقبض بالمنع ، لأن في العطاء متعتها وشهوتها ، فلا جرم أنها تنبسط بذلك ، وفي المنع قطع موادها وترك حظوظها ، ولا شك أنها تنقبض بذلك ، وذلك لجهلها بربها وعدم فهمها ، فلو فهمت عن اللّه لعلمت أن المنع عين العطاء ، والعطاء عين المنع ، كما يأتي ، فافهم أيها الفقير عن مولاك ، ولا تتهمه فيما به أولاك ، فربما أعطاك ما تشتهيه النفوس ، فمنعك بذلك حضرة القدوس ، وربما منعك ما تشتهيه نفسك فيتم بذلك حضورك وأنسك . ربما أعطاك متعة الدنيا وزهرتها ، فمنعك جمال الحضرة وبهجتها ، وربما منعك زينة الدنيا وبهجتها ، فأعطاك شهود الحضرة ونظرتها . ربما أعطاك قوت الأشباح ، فمنعك قوت الأرواح ، وربما منعك من قوت الأشباح ، فمتعك بقوت الأرواح . ربما أعطاك إقبال الخلق فمنعك من إقبال الحق ، وربما منعك من إقبال الخلق فأعطاك الأنس بالملك الحق . ربما أعطاك العلوم ، وفتح لك مخازن الفهوم ، فحجبك بذلك عن شهود المعلوم ، ومعرفة