وقالوا : أي خير في هذا ؟ متاعنا ذهب ونحن ننظر . فاتفق أن بعض العرب ضربوا على ذلك الحي في تلك الليلة فاجتاحوا كل ما فيه ، وكانوا يستدلون على الخيام بنهيق الحمار ونباح الكلاب وصراخ الديكة ، فأصبحت خيمته سالمة إذ لم يكن بقي من يفضحها ، فانظر كيف كان حسن نظر الحق لأوليائه ، وحسن تدبيره لهم ، وكيف فهم الرجل العارف ما في ذلك من السر في أول مرة ، فهذا هو الفهم عن اللّه رزقنا اللّه من ذلك الحظ الأوفر آمين . قال الشبلي : الصوفية أطفال في حجر الحق تعالى انتهى . يعني أنه يتولى حفظهم وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم ولا يكلهم إلى أنفسهم ، واللّه تعالى أعلم ، وسبب عدم الفهم عن اللّه هو الوقوف مع ظواهر الأشياء دون النظر إلى بواطنها ، كما أبان ذلك بقوله :
85 - الأكوان ظاهرها غرّة ، وباطنها عبرة .
قلت : الغرة بكسر الغين وقوع الغرور ، وإنما كانت الأكوان ظاهرها غرة لوجهين : أحدهما : ما جعل اللّه سبحانه على ظاهر حسها من البهجة ، وحسن المنظر وما تشتهيه النفوس من أنواع المآكل والمشارب والملابس والمراكب وشهوة المناكح والمساكن والبساتين والرياضات وكثرة الأموال والبنين وكثرة الأصحاب والعشائر والأجناد والعساكر ، وغير ذلك من بهجتها وزهرتها وزخرفها ، فانكب جلّ الناس على الاشتغال بجمعها وتحصيلها والجري عليها الليل والنهار والشهور والأعوام ، حتى هجم عليهم هاذم اللذات ، فأعقبهم الندم والحسرات ، ولم ينفع الندم ، وقد جف القلم ، سافروا بلا زاد وقدموا على الملك بلا تأهب ولا استعداد ، فاستوجبوا من اللّه الطرد والبعاد ولأجل هذا حذر اللّه سبحانه من غرورها وزخرفها والوقوف مع ظاهرها قال تعالى :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ
[ آل عمران : 14 ] ، ثم قال :
قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ
[ آل عمران : 15 ] ،