وقال تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الكهف : 7 ] ، أي لنختبرهم أيهم أزهد فيها وقال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
[ طه : 131 ] ، وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أولياء اللّه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فقال : « الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، واهتموا بآجل الدنيا حين اهتم الناس بعاجلها ، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ، وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم ، فما عارضهم من نائلها عارض إلا رفضوه ، ولا خادعهم من رفعتها خادع إلا وضعوه ، خلقت الدنيا في قلوبهم فلم يجددوها ، وخربت بنيانهم فما يعمرونها ، وماتت في صدورهم فما يحيونها بل يهدمونها ، فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها ليشتروا بها ما يبقي لهم ، ونظروا إلى أهلها صرعى ، قد خلت بهم المثلاث فما يرون أمانا دون ما يرجون ، ولا خوفا دون ما يجدون « 1 » » انتهى . وقال علي كرم اللّه وجهه فيما كتبه إلى سلمان الفارسي رضي اللّه تعالى عنه : إنما مثل الدنيا كمثل الحية ، لين مسّها قاتل سمّها فأعرض عنها وعما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها ، ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها ، وكن أسرّ ما تكون فيها ، أحذر ما تكون منها ، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخص منها إلى مكروه انتهى . فقد جعل الحق سبحانه هذه الأكوان وهي الدنيا وما اشتملت عليه ظاهرها فتنة ، وباطنها عبرة ، فمن وقف مع ظاهرها كان مغرورا ، ومن نفذ إلى باطنها كان عند اللّه مبرورا ، فأهل الغفلة والبطالة وقفوا مع متعة عاجلها وبهجة ظاهرها ، فغرتهم بزخرفها ، وخدعتهم بغرورها حتى أخذتهم بغتة ، وأهل اليقظة والحزم نفذوا إلى باطنها ، فعرفوا سرعة ذهابها وقلة بقائها ، فاشتغلوا بجمع الزاد ، وتأهبوا ليوم المعاد أولئك الذين
لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ
هامش
( 1 ) ذكره ابن الجوزي في صفوة الصفوة ( 1 / 43 ) .