اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
[ الحديد : 6 ] . هذه آداب القبض الذي لا تعرف له سببا ، وأما إن عرفت له سببا فارجع فيه إلى مسبب الأسباب ، ولذ بجانب الكريم الوهاب ، فهل عودك إلا حسنا وهل أسدى إليك إلا مننا ، فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الاختيار ، فالذي أنزل الداء هو الذي بيده الشفاء ، يا مهموما بنفسه لو ألقيتها إلى اللّه لاسترحت ، فما تجده القلوب من الأحزان فلأجل ما منعته من الشهود والعيان . والحاصل : أن سبب القبض إنما هو النظر للسوى والغفلة عن المولى ، وأما أهل الصفا فلا يشهدون إلا الصفا ولذلك كان صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : « من أصابه همّ أو غمّ فليقل اللّه اللّه لا أشرك به شيئا فإنّ اللّه يذهب همّه وغمّه « 1 » » ، أو كما قال عليه السلام ، والحديث صحيح . فانظر كيف دل صلى اللّه عليه وآله وسلم المقبوض إلى الدواء ، وهو شهود التوحيد والغيبة عن الشرك فدلنا صلى اللّه عليه وآله وسلم على القول والمراد منه المعنى ، فكأنه قال : اعرفوا اللّه ووحدوه ينقلب قبضكم بسطا ونقمتكم نعمة ، وكذلك في حديث آخر قال : « ما قال أحد اللهمّ إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك ، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علّمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ، ونور بصري ، وجلاء حزني ، وذهاب همّي إلا أذهب اللّه همه وغمه ، وأبدل مكان همه فرحا وسرورا « 2 » » ، فدلهم أولا في الحديث الأول على شهود الربوبية ، وفي الحديث الثاني على القيام بوظائف العبودية ، وهو الصبر والرضا ، إذ من شأن العبد أن يصبر على أحكام سيده ويسلم ويرضى لما يجريه عليه من
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ( 24 / 154 ) ، والبيهقي في الشعب ( 7 / 257 ) .
( 2 ) رواه أحمد ( 1 / 391 ) ، والطبراني في الكبير ( 10 / 169 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 6 / 40 ) .