تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
إلا ما أراد سيده ولا يتمنى إلا ما يقضيه عليه مولاه ، وقيل لبعضهم : ما تشتهي ؟ قال : ما يقضي اللّه ، فبهذا يتحقق للعارف فناؤه ، وبتحقيق فنائه يتحقق بقاؤه ، وأنشدوا :
لو قيل ما تمنّى والعبد يعطى مناه * لقلت منية قلبي ومهجتي في بقاه
أي بقائه مع مولاه ، واللّه تعالى أعلم . فإذا طلب العبد من مولاه ما هو طالبه منه من استقامة ظاهره بالنهوض إلى كمال الطاعات والحزن على ما سلف من الغفلات ، واستقامة باطنه بمعرفة معبوده والفناء في شهوده ، فيكون ظاهره قائما بوظائف العبودية ، وباطنه متحققا بحقوق الربوبية ، ثم إذا أحس بإجابة المطلب وحصول المنى والمرغب فرح قلبه وانبسطت روحه ، حيث شمت نسيم الإقبال وروح الوصال ، فربما يقبضها البسط عن شهود مولاها ، فيخرجها منه إلى القبض ثم يرحلها عنهما إليه ، كما أشار الشيخ إلى ذلك بقوله :

80 - بسطك كي لا يبقيك مع القبض ، وقبضك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه .

قلت : البسط فرح يعتري القلوب أو الأرواح ، إما بسبب قرب شهود الحبيب أو شهود جماله ، أو بكشف الحجاب عن أوصاف كماله وتجلى ذاته ، أو بغير سبب ، والقبض حزن وضيق يعتري القلب ، إما بسبب فوات مرغوب ، أو عدم حصول مطلوب ، أو بغير سبب ، وهما يتعاقبان على السالك تعاقب الليل والنهار . فالعوام إذا غلب عليهم الخوف انقبضوا ، وإذا غلب عليهم الرجاء انبسطوا ، والخواص إذا تجلى لهم بوصف الجمال انبسطوا ، وإذا تجلى لهم بوصف الجلال انقبضوا ، وخواص الخواص استوى عندهم الجلال والجمال ، فلا تغيرهم واردات الأحوال ، لأنهم باللّه وللّه لا لشيء سواه . فالأولون ملكتهم الأحوال ، وخواص الخواص مالكون الأحوال ، فمن لطفه بك أيها السالك أخرجك من الأغيار ، ودفعك إلى حضرة الأسرار ، فإذا أخذك القبض وتمكن منك الخوف ،
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 207 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى