تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
بحيث لا تبقى فيهم بقية . إذ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ، فما دام العبد مسجونا بمحيطاته محصورا في هيكل ذاته لا تنفك عنه الحظوظ ، إما دنيوية أو أخروية ، فلا تتحقق عبوديته للّه ، وفيه عبودية لحظوظه وهواه ، فلا يكون صادقا في عبوديته ، وهو مملوك لحظ نفسه ، فإذا قال أنا عبد اللّه نازعته حظوظه وهواه ، فلا تتحقق عبوديته للّه حتى يتحرر من رق الأكوان ، ويتحقق بمقام الأحرار من أهل العرفان ، فحينئذ يكون سالما للّه ، حرّا مما سواه ، قال اللّه تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ
[ الزمر : 29 ] ، أي متخاصمون :
وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا
[ الزمر : 29 ] ، أي لا يستويان أبدا إذ العبد الخالص لسيد واحد يكون أحظى وأعز وأقرب من العبد المشترك ، وكذلك العبد الخالص للّه أحظى بمحبة مولاه . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « تعس » أي خاب وخسر : « عبد الدّينار والدّرهم والخميصة إذا أعطي رضي ، وإذا لم يعط سخط ، تعس وانتكس ، وإذا شيك ، فلا انتقش « 1 » » أي إذا أصابته شوكة ، فاللّه لا يخرجها منه بالنقش عليها ، وهو دعاء على من حظه هواه بالتنكيس ، وعدم الخروج مما يقع فيه . وقال أبو سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه : شتان بين من همه الحور والقصور ، وبين من همه الحضور ورفع الستور انتهى . ولأجل هذا كان مطلب العارفين إنما هو التحقق بالعبودية لمولاهم ، بالتحرر من رق هواهم ، والقيام بوظائف الربوبية بالأدب والتعظيم والإجلال لمولاهم ، وهما متلازمان ، فمهما تحقق الصدق في العبودية حصل القيام بوظائف الربوبية ، فإن النفس إذا ماتت بترك حظوظها حييت الروح ، وإذا حييت الروح عرفت ، وإذا عرفت أذعنت وخضعت لهيبة الجلال ، وهذا هو القيام بحقوق الربوبية ، وهو مراد العارفين ومقصود السائرين ، ومحط نظر القاصدين والطالبين . قيل لبعضهم : ما مراد العارف ؟ قال : مراد معروفه انتهى . أي لا يريد
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1057 ) ، والطبراني في الأوسط ( 4 / 236 ) .