تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وسكنت تحت قهره وأنست بأمره أخرجك إلى البسط لئلا يحترق قلبك ، ويذوب جسمك ، فإذا حبسك البسط وفرحت به ، وأنست بجماله قبضك لئلا يتركك مع البسط ، فتسيء الأدب وتجر إلى العطب ، إذ لا يقف مع الأدب في البسط إلا القليل . هكذا يسيرك بين شهود جلاله وجماله ، فإذا شهدت أثر وصف الجلال انقبضت ، وإذا شهدت أثر وصف الجمال انبسطت . ثم يفتح لك الباب ويرفع بينك وبينه الحجاب ، فتتنزه في كمال الذات وشهود الصفات ، فتغيب عن أثر الجلال والجمال بشهود الكبير المتعال ، فلا جلاله يحجبك عن جماله ولا جماله يحجبك عن جلاله ، ولا ذاته تحبسك عن صفاته ولا صفاته تحبسك عن ذاته ، تشهد جماله في جلاله وجلاله في جماله ، وتشهد ذاته في صفاته وصفاته في ذاته . أخرجك عن شهود أثر الجلال والجمال لتكون عبدا للّه في كل حال . أخرجك عن كل شيء لتكون حرّا من كل شيء وعبدا له في كل شيء ، وأنشدوا :
حرام على من وحّد الله ربّه * وأفرده أن يحتذي أحدا رفدا فيا صاحبي قف بي على الحقّ وقفة * أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا وقل لملوك الأرض تجهد جهدها * فذا الملك : ملك لا يباح ولا يهدى
قال فارس رضي اللّه تعالى عنه : القبض أولا ، ثم البسط ثانيا ، ثم لا قبض ، ولا بسط ، لأن القبض والبسط لمعان في الوجود ، وأما مع الفناء والبقاء فلا انتهى . واعلم أن القبض والبسط لهما آداب ، فإذا أساء فيهما الأدب طرد إلى الباب ، أو إلى سياسة الدواب . فمن آداب القبض الطمأنينة والوقار والسكون تحت مجاري الأقدار ، والرجوع إلى الواحد القهار ، فإن القبض شبيه بالليل ، والبسط شبيه بالنهار ، ومن شأن الليل الرقاد والهدوء والسكون والحنو ، فاصبر أيها المريد ، واسكن تحت ظلمة ليل القبض حتى تشرق عليك شموس نهار البسط ، إذ لا بد لليل من تعاقب النهار ولا بد للنهار من تعاقب الليل :
يُولِجُ
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 208 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى