عليها ليوم لقاء اللّه ، وعلى ذلك نبه بقوله :
71 - إنّما جعل الدّار الآخرة محلّا لجزاء عباده المؤمنين ، لأنّ هذه الدّار لا تسع ما يريد أن يعطيهم ، ولأنّه أجلّ أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها .
قلت : لا شك أن اللّه تعالى وسم هذه الدار بدار الغرور ، وحكم عليها بالهلاك والثبور ، فهي دار دنيّة دانية زائلة فانية ، فلذلك سميت الدنيا إمّا لدنوها ، وإما لدناءتها ، فهي ضيقة الزمان والمكان ، ووسم الآخرة بدار القرار ، ومحل ظهور الأنوار ، وانكشاف الأسرار ، محل النظرة والحبور ، ودوام النعمة والسرور ، محل شهود الأحباب ، ورفع الحجاب ، نعيمها دائم ، ووجودها على الدوام قائم ، فلذلك جعلها الحق تعالى محلا لجزاء عباده المؤمنين ، ومقعد صدق للنبيين والصديقين ، ولم يرض سبحانه أن يجازيهم في دار لا بقاء لها ضيقة الزمان والمكان ، ومحل الأكدار والأغيار والذل والهوان ، لأنها ضيقة لا تسع ما يريد أن يعطيهم أي لا يسع ما فيها ما يريد أن يكرمهم به تعالى زمانا ولا مكانا ، لأن أدنى أهل الجنة يملك قدر الدنيا عشر مرات ، فكيف بأعلاهم قال تعالى :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ السجدة : 17 ] . وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : يقول اللّه تبارك وتعالى :
« أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر « 1 » » ، ولأنه جل وعلا أجلّ أي عظم أقدار عباده المؤمنين والمقربين ، أن يجازيهم في دار لا بقاء لها فعمارتها خراب ، ووجودها سراب ، ففي بعض الأخبار : لو كانت الدنيا من ذهب يفني والآخرة من خزف يبقي لاختار العاقل الذي يبقي على الذي لا يبقي انتهى . لا سيما والأمر بالعكس ، فالآخرة من ذهب يبقى والدنيا من خزف يفنى ، فلا يختارها إلا من حكم اللّه عليه بالشقاء
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1185 ) ، ومسلم ( 4 / 2174 ) .