القاضي ، فقلدها في عنقه . وقد سئل مالك رحمه اللّه عن اثنتين وثلاثين مسألة ، فأجاب عن ثلاث ، وقال في الباقي : لا أدري ، فقال له السائل : وما نقول للناس ؟
فقال : قل لهم : قال مالك : لا أدري . وأيضا إجابة كل سائل جهل وضرر ؛ إذ قد يكون السائل متعنتا لا يستحق جوابا ، وقد تكون المسألة التي سأل عنها لا تليق به ، لأنه لا يفهمها ولا يطيق معرفتها فتوقعه في الحيرة ، أو الإنكار ، وقد قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم « 1 » » ، وفي ذلك يقول الشاعر :
سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي * ولا أنثر الدّرّ النفيس على البهم
فإن قدّر اللّه الكريم بلطفه * ولاقيت أهلا للعلوم وللحكم
بذلت علومي واستفدت علومهم * وإلا فمخزون لديّ ومكتتم
فمن منح الجهّال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم
وقال عليّ كرم اللّه وجهه : حدّث الناس بقدر ما يفهمون ، أتريدون أن يكذب اللّه ورسوله ؟ . وقد قيل للجنيد رضي اللّه تعالى عنه : يسألك الرجلان فتجيب هذا بخلاف ما تجيب به هذا ؟ فقال : الجواب على قدر السائل قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أمرنا أن نخاطب النّاس على قدر عقولهم « 2 » » انتهى .
وقال رجل لبعض العلماء ، وقد سأله فلم يجبه : أما علمت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « من كتم علما نافعا ألجم يوم القيامة بلجام من النّار « 3 » » ، فقال له : العالم اترك اللجام واذهب ، فإن جاء من يستحقه وكتمته فليلجمني به انتهى . وأما وجه جهله في كونه معبرا عن كل ما شهد من الكرامات ، وما وصل إليه من المقامات ، وما ذاقه من الأنوار والأسرار ، فلأن
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 3 / 219 ) ، وذكره المناوي في الفيض ( 5 / 427 ) .
( 2 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 225 ) ، والسيوطي في تدريب الراوي ( 2 / 175 ) بنحوه .
( 3 ) ذكره الآمدي في الإحكام ( 4 / 160 ) بنحوه .