وإذا كان اللّه تعالى يقول :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
[ النساء : 5 ] ، فكيف بالعلم الذي هو لؤلؤ مكنون ، قال عليه الصلاة والسلام : « إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء باللّه ، فإذا أظهروه أنكره أهل الغرّة باللّه « 1 » » ، انتهى . وقال أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه : حفظت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم جرابين من علم ، أما أحدهما فبثثته في الناس ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم « 2 » انتهى . وللّه در زين العابدين سيدنا علي بن الحسين بن علي كرم اللّه تعالى وجهه حيث يقول :
يا ربّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممّن يعبد الوثنا
ولاستحلّ رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
إنّي لأكتم من علمي جواهره * كي لا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا
وقال الروذباري رحمه اللّه تعالى : علمنا هذا إشارة ، فإذا صار عبارة خفي .
وقال الإمام الغزالي : قد تضر الحقائق بأقوام ، كما يتضرر الجعل بالورد والمسك . قلت : قد يرخّص للعارف الماهر إلقاء الحقائق مع من لا يعرفها بعبارة رقيقة وإشارة لطيفة ، وغزل رقيق بحيث لا يأخذ السامع منها شيئا ، فقد كان الجنيد رضي اللّه تعالى عنه يلقي الحقائق على رؤوس الأشهاد ، فقيل له في ذلك ، فقال : جانب العلم أحمى من أن يأخذه غير أهله ، أو علمنا محفوظ من أن يأخذه غير أهله ، واللّه تعالى أعلم . ثم إن الإجابة عن كل ما سئل والتعبير عن كل ما شهد ، وذكر كل ما علم يوجب إقبال الخلق عليهم وتعظيمهم وإكرامهم في هذه الدار ، لأن من ظهرت مزيّته وجبت خدمته ، ومن شأن العامة تعظيم صاحب الكرامة ، فيجني ثمرة علمه وعمله في هذه الدار الفانية ، وتفوته درجات الصّدّيقين في تلك الدار الباقية ، فأمره بكتمها ، ويقنع بعلم اللّه ، ويدخر الجزاء
هامش
( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 1 / 210 ) ، وذكره المنذري في الترغيب ( 1 / 58 ) .
( 2 ) لم أقف عليه .