هذه الأمور أذواق باطنية وأسرار ربانية لا يفهمها إلا أربابها فذكرها لمن لا يفهمها ولا يذوقها جهل بقدرها ، وأيضا هي أمانات ، وسر من أسرار الملك ، وسر الملك لا يحل إفشاؤه ، فمن أفشاه كان خائنا واستحق الطرد والعقوبة ، ولا يصلح أن يكون أمينا بعد ذلك ، فكتم الأسرار من شأن الأخيار ، وهتك الأسرار من شأن الأشرار ، وقد قالوا : قلوب الأحرار قبور الأسرار ، وقال الشاعر :
لا يكتم السرّ إلا كلّ ذي ثقة * فالسرّ عند خيار النّاس مكتوم
وفي إفشائها قلة عملها ونفعها في الباطن ، ففائدة هذه الأحوال والواردات الإلهية هي محو الحس وإظهار المعنى ، أو محو الشك وتقوية اليقين ، فإذا أفشاها ضعف إعمالها وقلّت نتيجتها ، والخير كله في الكتمان .
في الحديث : « استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها « 1 » » ، أو كما قال عليه السلام ، وينخرط في سلك الأحوال التي يجب كتمانها خرق عوائد النفوس ، فمن خرق عادة في نفسه فلا يفشي ذلك لغيره ، فإن في ذلك دسيسة لها ، لأنها تحب أن تذكر بالقوة والنجدة ، فيكون كلما قتل منها شيئا أحياه في ساعته ، وفيه أيضا نقص الإخلاص ، وإدخال الرياء ، وهو سبب الهلاك والعياذ باللّه . وأما وجه جهله في كونه ذاكرا لكل ما علم من الحقائق والعلوم والمعارف ، فلأنه جهل قدرها واستخفّ شأنها ، فلو كانت عنده رفيعة عزيزة ما أفشاها لغيره ؛ إذ صاحب الكنز لا يبوح به ، وإلا سلبه من ساعته .
وانظر قول شيخ شيوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه :
احفر لسرّك ودكّو * في الأرض سبعين قامه
وخلّ الخلائق يشكوا * إلى يوم القيامة
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الصغير ( 2 / 292 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 5 / 215 ) ، ( 6 / 96 ) .