يعني أن الزاهد اصطاده اللّه من الدنيا ، فقبضه وأدخله الجنة ، والعارف اصطاده الحق من الجنة ، فأدخله الحضرة ، اصطاده من جنة الحس وجعله في جنة المعنى ، وهي جنة المعارف .
وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه في كتابه : سبحان من هيأ أقواما لخدمته وأقامهم فيها ، وهيأ أقواما لمحبته وأقامهم فيها ، أهل الخدمة تجلى لهم الحق بصفة الجلال والهيبة ، فصاروا مستوحشين من الخلق ، قلوبهم شاخصة لما يرد عليها من حضرة الحق ، قد نحلت أجسادهم واصفرت ألوانهم وخمصت بطونهم ، وبالشوق ذابت أكبادهم ، وقطعوا الدياجي بالبكاء والنحيب ، واستبدلوا الدنيا بالمجاهدة في الدين ، ورغبوا في
جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
[ آل عمران : 133 ] ، أهل المحبة تجلى لهم الحق تعالى بصفة الجمال والمحبة وسكروا بخمر لذيذ القربة شغلهم المعبود عن أن يكونوا من العباد ولا من الزهاد ، اشتغلوا بالظاهر والباطن وهو اللّه فحجبوا عن كل ظاهر وباطن ، زهدوا في التنعم والإنعام واشتغلوا بمشاهدة الملك العلام انتهى كلامه رضي اللّه تعالى عنه ، هذا آخر الباب السابع .
وحاصلها : رفع الهمة وشكر النعمة وحسن الأدب في الخدمة ، ونفوذ العزيمة بالانتقال من دوام الخدمة إلى المحبة والمعرفة ، وإذا أراد اللّه أن يصطفي عبدا لحمل معرفته وينقله من تعب خدمته ، قوّى عليه الواردات الإلهية ، فجذبته إلى الحضرة الربانية ، وهي مواهب لا مكاسب ، لا تنال بأعمال لا بحيل ، وقلّ أن تأتي إلا بغتة كما أشار إلى ذلك في أول الباب الثامن .