شرائع المسلمين ، وهم العلماء والصلحاء ، ومنهم من أقامه الحق لنصرة الدين وإعلاء كلماته ، وهم المجاهدون في سبيل رب العالمين ، ومنهم من أقامه الحق لتمهيد البلاد وتسكين العباد ، وهم الأمراء والسلاطين . وقسم : أقامهم الحق لمحبته واختصهم بمعرفته ، وهم العارفون الكاملون سلكوا سواء الطريق ووصلوا إلى عين التحقيق ، وبينهما فرق كبير لأن أهل الخدمة طالبون الأجور ، وأهل المحبة رفعت عنهم الستور ، أهل الخدمة يأخذون أجورهم وراء الباب ، وأهل المحبة في مناجاة الأحباب ، أهل الخدمة مسدول بينهم وبينه الحجاب ، وأهل المحبة مرفوع بينهم وبينه الحجاب ، أهل الخدمة من أهل الدليل والبرهان ، وأهل المحبة من أهل الشهود والعيان ، أهل الخدمة لا تنفك عنهم الحظوظ ، وأهل المحبة تصب عليهم الحظوظ ، أهل الخدمة محبتهم مقسومة ، وأهل المحبة محبتهم مجموعة ، فلذلك دام أهل الخدمة في خدمتهم ، ونفذ المحبون إلى شهود محبوبهم ، فلو تركوا الحظوظ وحصروا محبتهم في محبوب واحد لنفذوا إلى محبوبهم وشهدوه ببصر إيقانهم واستراحوا من تعب خدمتهم ، ولكن حكمة الحكيم أقامتهم في خدمتهم فوجب تعظيمهم في الجملة ، ولا يلزم منه عدم تفضيل أهل المعرفة والمحبة عليهم ، انظر كيف قال تعالى بعد ذلك :
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
[ الإسراء : 21 ] ، فدل على تفضيل بعضهم على بعض ، لكن عبيد الملك كلهم معظّمون في الجملة ، ولا يحب الملك أن نحقر له عبدا من عباده وإن كانوا متفاوتين عنده ، واللّه تعالى أعلم . وقال أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه : اطّلع اللّه على قلوب أوليائه ، فمنهم من لم يصلح لحمل المعرفة صرفا فشغلهم بالعبادة . وقال أبو العباس الدينوري رضي اللّه تعالى عنه : إن للّه عبادا لم يستصلحهم لمعرفته ، فشغلهم بخدمته ، وله عباد لم يستصلحهم لخدمته فأهلهم لمحبته . وقال يحيى بن معاذ رضي اللّه تعالى عنه : الزاهد صيد الحق من الدنيا ، والعارف صيد الحق من الجنة انتهى .