67 - إذا رأيت عبدا أقامه اللّه بوجود الأوراد ، وأدامه عليها مع طول الإمداد ، فلا تستحقرنّ ما منحه مولاه ، لأنّك لم تر عليه سمات العارفين ، ولا بهجة المحبّين ، فلو لا وارد ما كان ورد .
قلت : ما ذكره الشيخ هنا من مؤكدات هذه الباب كلها في الآداب ، وهو أن لا يستحقر شيئا من تجليات الحق على أي حال كانت ، فلا ينبغي أن ينازع مقتدر ، ولا أن يضاد قهار ، ولا أن يعترض على حكيم ، فإذا رأيت عبدا أقامه الحق تعالى بوجود الأوراد ككثرة صلاة وصيام وذكر وتلاوة واجتهاد ، وأدامه عليها مع طول الإمداد بكسر الهمزة أي استمراره معه ، وهو تقويته في الباطن وصرف الشواغل والشواغب في الظاهر ، لكنه لم يفتح عليه في علم الأذواق ، وعمل القلوب ، فلا تستحقرن حاله وما منحه مولاه ، لأجل أنك لم تر عليه سمات العارفين من السكينة والطمأنينة وراحة الجوارح والقلب بسبب هبوب نسيم الرضا والتسليم على أرواحهم . وقال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه :
سمات العارفين ثلاث : أولها : الإعراض عما سوى معروفهم بكل حال وعلى كل وجه . الثاني : الإقبال عليه بترك الحظوظ وإقامة الحقوق . الثالث : الرضا عنه في مجاري أقداره انتهى . ولا تستحقر حاله أيضا لأجل أنك لم تر عليه بهجة المحبين ، وهي الفرح بمحبوبه والإكثار من ذكره ، والقيام بشكره ، والاغتباط بمحبته ، والمسارعة إلى محابه وطلب مرضاته ، والخضوع لعظمته والتذلل لقهره وعزته :
تذلّل لمن تهوى فليس الهوى سهل * إذا رضي المحبوب صحّ لك الوصل
تذلّل له تحظى برؤيا جماله * ففي وجه من تهوى الفرائض والنّفل
فكيف تستحقر من دامت خدمته واتصلت أوراده ؟ فلولا وجود الوارد الإلهي في باطنه ما قدر على إدامة أوراده ، ولولا وارد ما كان ورد ، فالوارد ما منه إليك والورد ما منك إليه ،
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
[ النور : 21 ] ،
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ