وثالثها : انعزاله عن عقله ورياسته وعلمه وعمله ، إلا ما يرد عليه من قبل شيخه ، كما فعل شيخ طريقتنا الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه عند ملاقاته بشيخه فهي سنة في طريقه ، فكل من أتى شيخه في هذه الطريقة الشاذلية فلابد أن يغتسل من علمه وعمله قبل أن يصل إلى شيخه لينال الشراب الصافي من بحر مدده الوافي « 1 » . ورابعها : عدم الانتقال عنه إلى غيره ، وهذا عندهم من أقبح كل قبيح وأشنع كل شنيع ، وهو سبب تسويس بذرة الإرادة ، فتفسد شجرة الإرادة لفساد أصلها ، وهذا كله مع شيوخ التربية كما تقدم . وأما شيوخ أهل الظاهر فلا بأس أن ينتقل عنهم إلى أهل الباطن إن وجدهم ، ولا يحتاج إلى إذن ، واللّه تعالى أعلم . وأما الآداب مع الإخوان فأربعة : ألها : حفظ حرمتهم غائبين أو حاضرين ، فلا يغتاب أحدا ولا ينقص أحدا ، فلا يقول أصحاب سيدي فلان كمّل ، وأصحاب سيدي فلان نقّص ، أو فلان عارف ، أو فلان ليس بعارف ، أو فلان ضعيف وفلان قوي ، أو غير ذلك فهذه عين الغيبة ، وهي حرام بالإجماع لا سيما في حق الأولياء ، فإن لحومهم سموم قاتلة كلحوم العلماء والصالحين ، فليحذر المريد جهده من هذه الخصلة الذميمة ، وليفر ممن هذا طبعه فراره من الأسد ، فمن أولع بهذا فلا يفلح أبدا ، فالأولياء كالأنبياء ، فمن فرق بينهم حرم خيرهم وكفر نعمتهم « 2 » . وقد قال بعض الصوفية : من كسره الفقراء لا يجبره الشيخ ، ومن كسره الشيخ فقد يجبره الفقراء ، وهو صحيح مجرب ، لأن إذاية ولي واحد ليس كإذاية أولياء كثيرة ، ومن كسره الشيخ يشفع فيه الإخوان فيجبر قلب الشيخ بخلاف قلوب الفقراء إذا تغيرت قلّ أن تتفق على الجبر ، واللّه
هامش
( 1 ) المقصود بالكل رؤية أعمال البر لا الحرفة ، والتجرد من العقل بمعنى إحسان الظن بالشيخ فيما لا يدركه المريد من أحواله .
( 2 ) وهذا كله إذا لم تظهر من القوم البدعة كالتشييع ونحوه مما يقع فيه أدعياء التصوف ، فالتصوف كله سنة ، ومن أدخل فيه شيئا من البدعة فهو مدخول مستحق للتحذير من معايبه .