تعالى أعلم . وثانيها : نصيحتهم بتعليم جاهلهم وإرشاد ضالهم ، وتقوية ضعيفهم ولو بالسفر إليه ، فإن فيهم أهل بدايات ونهايات والقوي والضعيف ، فكل واحد يذكره بما يليق بمقامه ، خاطبوا الناس بقدر ما يفهمون ، كما في الحديث . وثالثها :
التواضع لهم ، والاستنصاف من نفسك معهم ، وخدمتهم بقدر الإمكان ، فخديم القوم سيدهم ، فمن عرض له شغل لا ينفك عنه ، فالواجب إعانته ليتفرغ منه إلى ذكر اللّه إن كان خفيفا ، قال تعالى :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
[ المائدة : 2 ] ، فكل ما يشغل قلب الفقير فدفعه جهاد وبر . ورابعها : شهود الصفا فيهم واعتقاد كمالهم فلا ينقّص أحدا ، ولو رأى منه ما يوجب النقص في الظاهر ، فالمؤمن يلتمس المعاذير ، فليلتمس له سبعين عذرا ، فإن لم يزل عنه موجب نقصه فليشهده في نفسه ، ف « المؤمن مرآة أخيه « 1 » » ، ما كان في الناظر يظهر فيه ، فأهل الصفا لا يشهدون إلا الصفا ، وأهل التخليط لا يشهدون إلا التخليط . وأهل الكمال لا يشهدون إلا الكمال ، وأهل النقص لا يشهدون إلا النقص ، وتقدم في الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير : حسن الظّن باللّه ، وحسن الظّنّ بعباد اللّه . وخصلتان ليس فوقهما شيء من الشرّ : سوء الظنّ باللّه وسوء الظنّ بعباد اللّه » ، وباللّه التوفيق . فهذه من جملة الآداب التي يجب على الفقير مراعاتها ، والتحفظ عليها سواء كان طالبا أو سائرا أو واصلا ، وقد تقدمت في أول الباب الأول ثمانية آداب بعضها في حق العارف ، وبعضها في حق السائر ، فليراجعها وليعمل بمقتضاها ، فإن الطريق كلها آداب حتى قال بعضهم : اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا . وقال أبو حفص رضي اللّه تعالى عنه : التصوف كله آداب لكل وقت آداب ، ولكل حال آداب ، ولكل مقام آداب ، فمن لزم الأدب بلغ مبلغ
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الأدب المفرد ( ص 93 ) ، والضياء في المختارة ( 6 / 180 ) ، والبيهقي ( 8 / 167 ) .