ومن أقبل على اللّه بملاطفة إحسانه وجب عليه شكر ما أسدى إليه من لطائف كرمه وامتنانه وإلا زالت عنه بسبب كفره وعصيانه ، وإلى ذلك أشار بقوله :
64 - من لم يشكر النّعم ، فقد تعرّض لزوالها ، ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها .
قلت : اتفقت مقالات الحكماء على هذا المعنى ، وأن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود ، وقالوا أيضا : من أعطي النعمة ولم يشكر سلب منها ولم يشعر ، فمن شكر النعمة فقد قيدها بعقالها ، ومن كفرها فقد تعرض لزوالها قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
[ الرعد : 11 ] ، أي أن اللّه لا يغير ما بقوم من النعم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الشكر ، وتغييرهم الشكر هو اشتغالهم بالمعاصي والكفر . ولذلك قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : الشكر ألا يعصى اللّه بنعمه ، وقيل : الشكر فرح القلب بالمنعم لأجل نعمته حتى يتعدى ذلك إلى الجوارح فتنبسط بالأوامر وتنكف عن الزواجر . وقال في لطائف المنن :
الشكر على ثلاثة أقسام : شكر اللسان ، وشكر الأركان ، وشكر الجنان . فشكر اللسان : التحدث بنعم اللّه ، قال تعالى :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
[ الضحى : 11 ] . وشكر الأركان : العمل بالطاعة للّه تعالى قال تعالى :
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
[ سبأ : 13 ] ، وشكر الجنان : بالاعتراف بأن كل نعمة بك أو بأحد من العباد هي من اللّه تعالى ، قال اللّه تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النحل : 53 ] . ومن القسم الأول : قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« التّحدّث بالنّعم شكر « 1 » » . ومن الثاني : أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قام حتى تورمت قدماه فقيل له : أتتكلف كل ذلك وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : « أفلا أكون عبدا شكورا « 2 » » انتهى .
هامش
( 1 ) رواه القضاعي في الشهاب ( 1 / 61 ) ، والديلمي في الفردوس ( 2 / 77 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 4 / 1830 ) ، ومسلم ( 4 / 2171 ) .