رأيت اللّه فيه ، فإذا رأيت اللّه ذهبت ، وقال أيضا : أجمع العلماء على أن الحلال المطلق ما أخذ من يد اللّه بسقوط الوسائط ، وهذا مقام التوكل .
ولهذا قال بعضهم : الحلال هو الذي لا ينسى اللّه فيه انتهى على نقل ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه ، وإذا أراد اللّه تعالى أن يعز عبده ويرفعه إلى هذا المقام قطع عنه زمام الوهم والجزع ، وحرره من رق الطمع ، فقاده إليه بملاطفة الإحسان أو بسلاسل الامتحان ، كما أشار إلى ذلك بقوله :
63 - من لم يقبل على اللّه بملاطفات الإحسان قيّد إليه بسلاسل الامتحان .
قلت : قد قسّم اللّه تعالى عباده ثلاثة أقسام : أهل الشمال ، وأهل اليمين ، والسابقون ، أما أهل الشمال فلا كلام عليهم إذ لا إقبال لهم على اللّه أصلا ، وأما أهل اليمين فلهم إقبال بوجه ما ، لكن لا خصوصية لهم ، لأنهم قنعوا بظاهر الشريعة ولم يلتفتوا إلى سلوك طريقة ، ولا حقيقة ، وقفوا مع الدليل والبرهان ، ولم ينهضوا إلى مقام الشهود والعيان ، ولا كلام معهم أيضا ، وأما السابقون فقد أقبلوا على اللّه متوجهين إليه ، طالبين الوصول إلى معرفته ، وهم في ذلك على قسمين : قسم : أقبل على اللّه بملاطفة إحسانه ، وقياما بشكر إنعامه وامتنانه ، وهم أهل مقام الشكر . وقسم : أقبل على اللّه بسلاسل الامتحان ، وضروب البلايا والمحن وهم أهل مقام الصبر . فأهل المقام الأول أقبلوا على اللّه طوعا ، وأهل المقام الثاني أقبلوا على اللّه كرها قال تعالى :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
[ الرعد : 15 ] .
قال أبو مدين رضي اللّه تعالى عنه : سنة اللّه استدعاء العباد لطاعته بسعة الأرزاق ودوام المعافاة ليرجعوا إليه بنعمته ، فإن لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون ، لأن مراده عز وجل رجوع العباد إليه طوعا وكرها انتهى .