على اللّه ، فإذا أعرضوا عنه وردوا عليه قوله بسط عليهم النعم الحسية حتى إذا اطمأنوا وفرحوا بها دمرهم اللّه وأخذهم بغتة ، ليكون ذلك أشد في العقوبة ، قال الشاعر :
وأعظم شيء حين يفجؤك البغت
وقال تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
[ آل عمران : 178 ] ، فالواجب على الإنسان إذا أحس بنعمة ظاهرة أو باطنة حسية أو معنوية أن يعرف حقها ، ويبادر إلى شكرها نطقا واعتقادا وعملا ، فالنطق الحمد والشكر باللسان ، والاعتقاد شهود المنعم في النعمة وإسنادها إليه ، والغيبة عن الواسطة بالقلب مع شكرها باللسان ، « من لم يشكر النّاس لم يشكر اللّه « 1 » » ، « أشكركم للّه أشكركم للنّاس « 2 » » ، فإذا قال له : جزاك اللّه خيرا فقد أدى شكرها ، والشكر بالعمل صرفها في طاعة اللّه كما تقدم ، فإن لم يقم بهذا الواجب خيف عليه السلب ، والاستدراج وهو أقبح . والحاصل : أن الشكر هو الأدب مع المنعم ، ومن جاءت على يديه ، فإن أساء الأدب أدّب ، وقد يؤدّب في الباطن وهو لا يشعر ، كما أشار إلى ذلك بقوله :
66 - من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخّر العقوبة عنه فيقول : لو كان هذا سوء أدب لقطع الأمداد ، وأوجب البعاد ، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ، ولو لم يكن إلا منع المزيد . وقد تقام مقام البعد وأنت لا تدري ، ولو لم يكن إلا أن يخلّيك وما تريد .
قلت : من الأمور المؤكدة على المريد الصادق أن يرعى الأدب مع اللّه في كل شيء ، ويلتزم التعظيم لكل شيء ، ويحفظ الحرمة في كل شيء ، فإن أخلّ بشيء من هذه الأمور وأساء الأدب مع ربه فليبادر بالتوبة والاعتذار مع الذلة
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الكنى ( 1 / 51 ) ، والترمذي ( 4 / 339 ) ، وأحمد في مسنده ( 3 / 32 ) .
( 2 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ( 6 / 517 ) .