تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
فقوم بسط اللّه عليهم النعم وصرف عنهم البلايا والنقم ، ورزقهم الصحة وأمدهم بالأموال والعافية ، فأدوا حقها وقاموا بشكرها وتشوقوا إلى معرفة المنعم بها ، فكانت مطية لهم على السير إليه ، ومعونة لهم على القدوم عليه ، أخرجوها من قلوبهم وجعلوها في أيديهم وقليل ما هم ، قال تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ] ، وفي مثل هؤلاء ورد الحديث : « نعمت الدّنيا مطيّة المؤمن ، عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشّرّ « 1 » » أو كما قال عليه السلام . قال بعض أصحابنا : جعل عليه السلام الدنيا مطية للمؤمن حاملة له ، ولم يجعل المؤمن مطية لها حتى يتكلف حملها ، فهذا يدل على أنها في يده ، يستعين بها على السير إلى ربه ، لا أنها في قلبه حتى يرتكب المشقة في طلبها ، واللّه تعالى أعلم . وقوم أمدهم اللّه بالنعم وبسط لهم في المال والعافية وصرف عنهم النقم ، فشغلهم ذلك عن النهوض إليه ومنعهم من المسير إلى حضرته ، فسلب ذلك عنهم وضربهم بالبلايا والمحن ، فأقبلوا على اللّه بسلاسل الامتحان : « عجب ربّك من قوم يساقون إلى الجنّة بالسّلاسل » . وقد مدح اللّه الغني الشاكر والفقير الصابر بمدح واحد فقال تعالى في حق سليمان :
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
[ ص : 30 ] . وقال في حق أيوب عليه السلام :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
[ ص : 44 ] . وقال بعضهم : لأن أعطى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر . وكان الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه يرجح الغني الشاكر على الفقير الصابر ، وهو مذهب ابن عطاء ، ومذهب أبي عبد اللّه الترمذي الحكيم رضي اللّه تعالى عنه يقول : الشكر صفة أهل الجنة ، والفقر ليس كذلك قاله في لطائف المنن ، والتحقيق أن الفقير الصابر هو الغني الشاكر وبالعكس ، لأن الغني إنما هو باللّه ، فإذا استغنى القلب باللّه ، فصاحبه هو الغني الشاكر ، ولا عبرة بما في
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 6 / 220 ) ، والديلمي في الفردوس ( 5 / 10 ) ، وابن عدي في الكامل ( 1 / 309 ) .