اليد ، فقد تكون اليد معمورة والقلب فقير « 1 » ، وقد يكون القلب غنيّا باللّه واليد فقيرة ، وقد تكون اليد معمورة والقلب مع اللّه غنيّا به عما سواه .
قال بعض المشايخ : كان رجل بالمغرب من الزاهدين في الدنيا ، ومن أهل الجد والاجتهاد ، وكان عيشه مما يصيده من البحر ، وكان الذي يصيده يتصدق ببعضه ويتقوّت ببعضه ، فأراد بعض أصحاب هذا الشيخ أن يسافر إلى بلد من بلاد المغرب ، فقال له هذا الزاهد : إذا دخلت على بلدة كذا فاذهب إلى أخي فلان فاقرئه مني السلام واطلب منه الدعاء ، فإنه وليّ من أولياء اللّه تعالى ، قال :
فسافرت حتى قدمت تلك البلدة ، فسألت عن ذلك الرجل ، فدللت على دار لا تصلح إلا للملوك فتعجبت من ذلك وطلبته قيل لي : هو عند السلطان فازداد تعجبي ، فبعد ساعة ، وإذا هو قد أتى في أفخر مركب وملبس ، وكأنما هو ملك في مركبه قال : فازداد تعجبي أكثر من الأوّلين ، فهممت بالرجوع وعدم الاجتماع به . ثم قلت : لا يمكنني مخالفة الشيخ فاستأذنت فأذن لي فلما دخلت رأيت ما هالني من العبيد والخدم والشارة الحسنة ، فقلت له : أخوك فلان يسلم عليك . قال لي : جئت من عنده ؟ قلت : نعم . قال : إذا رجعت إليه فقل له إلى كم اشتغالك بالدنيا ، وإلى كم إقبالك عليها وإلى متى لا تنقطع رغبتك فيها ؟
فقلت : واللّه هذا أعجب من الأولى ، فلما رجعت إلى الشيخ قال : اجتمعت بأخي فلان ؟ قلت : نعم قال : فما الذي قال لك ؟ قلت : لا شيء قال : لا بد أن تقول لي ، فأعدت عليه ما قال فبكى طويلا ، وقال صدق أخي فلان هو غسل اللّه قلبه من الدنيا وجعلها في يده وعلى ظاهره ، وأنا أخذها من يدي ولي إليها بقايا التطلع انتهى . من لطائف المنن للمؤلف رحمه اللّه ورضي عنه .
فأحوال الأولياء لا تنضبط بفقر ولا غني ، لأن الولاية أمر قلبي ، لا يعلمها إلا من خصهم بها وباللّه التوفيق .
هامش
( 1 ) جملة « والقلب فقير » في محل نصب حال .