رضي اللّه تعالى عنه : صلاح الدين الورع وفساد الدين الطمع ، لا ورع العوام الذي هو ترك المتشابه والحرام ، فإنه لا يقابل الطمع كل المقابلة ، وحاصله صحة اليقين ، وكمال التعلق برب العالمين ، ووجود السكون إليه ، وعكوف الهم عليه ، وطمأنينة القلب به ، حتى لا يكون له ركون إلى شيء من السوى ، فهذا هو الورع الذي يقابل الطمع المفسد ، وبه يصلح كل عمل مقرب وحال مسعد .
قال يحيى بن معاذ رضي اللّه تعالى عنه : الورع على وجهين ورع في الظاهر ، وهو ألا تتحرك إلا للّه ، وورع في الباطن ، وهو ألا يدخل قلبك إلا اللّه .
ذكر أن بعضهم كان حريصا على أن يرى أحدا ممن هذا صفته ، فجعل يجتهد في طلبه ، ويحتال على التوصل إليه بأن يأخذ الشيء بعد الشيء من ماله ، ويقصد به الفقراء والمساكين ، ويقول لمن يعطيه : خذ لا لك ، فكانوا يأخذون ولا يسمع من أحد منهم جوابا مطابقا لما أراده ، إلى أن ظفر ذات يوم ببغيته وحصل على مقصوده ومنيته ، وذلك أنه قال لأحدهم : خذ لا لك ، فقال له : آخذه لا منك ، فإن كان للعبد استشراف إلى الخلق ، أو سبقية نظر إليهم قبل مجيء الرزق أو بعده فمقتضى هذا الورع والواجب في حق الأدب ألا ينيل نفسه شيئا مما يأتيه على هذا الحال عقوبة لنفسه في نظره إلى أبناء جنسه كقصة أيوب الحمال مع أحمد بن حنبل رضي اللّه عنهما : وهي معروفة . وكما روي عن الشيخ أبي مدين رضي اللّه تعالى عنه أنه أتاه حمال بقمح فنازعته نفسه ، وقالت : يا ترى من أين هذا ؟ فقال : أنا أعرف من أين هو يا عدوة اللّه ، وأمر بعض أصحابه أن يدفعه لبعض الفقراء عقوبة لها ، لكونها رأت الخلق قبل رؤية الحق تعالى ، وقد قيل : إن أحل الحلال ما لم يخطر على بال ، ولا سألت فيه أحدا من النساء والرجال . قال الشيخ عبد العزيز المهدوي رضي اللّه تعالى عنه : الورع ألا تتحرك ولا تسكن إلا وترى اللّه في الحركات والسكون ، فإذا رأى اللّه ذهبت الحركة والسكون وبقي مع اللّه ، فالحركة ظرف لما فيها كما قال : ما رأيت شيئا إلا
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 166
مساهمون: محمد عبد القادر نصار
ص١٦٦