للدنيا ولا للآخرة ، فإذا عليّ يقال : من لم يصلح للدنيا ولا للآخرة يصلح لنا .
وقال أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : الورع نعم الطريق لمن عجّل ميراثه وأجلّ ثوابه ، فقد انتهى بهم الورع إلى الأخذ من اللّه وعن اللّه ، والقول باللّه والعمل للّه وباللّه على البينة الواضحة والبصيرة الفائقة ، فهم في عموم أوقاتهم وسائر أحوالهم ، لا يدبّرون ولا يختارون ولا يريدون ولا يتفكرون ولا ينظرون ولا ينطقون ولا يبطشون ولا يمشون ولا يتحركون إلا باللّه وللّه من حيث يعلمون . هجم بهم العلم على حقيقة الأمر ، فهم مجموعون في عين الجمع ، لا يفترقون فيما هو أعلى ولا فيما هو أدنى . وأما أدنى الأدنى فاللّه يورعهم عنه ثوابا لورعهم مع الحفظ لمنازلات الشرع عليهم ، ومن لم يكن لعلمه وعمله ميراث ، فهو محجوب بدنيا أو مصروف بدعوى ، وميراثه التعزز لخلقه ، والاستكبار على مثله ، والدلالة « 1 » على اللّه بعلمه ، فهذا هو الخسران المبين ، والعياذ باللّه العظيم من ذلك . والأكياس يتورعون عن هذا الورع ويستعيذون باللّه منه ، ومن لم يزدد بعلمه وعمله افتقارا لربه واحتقارا لنفسه وتواضعا لخلقه فهو هالك ، فسبحان من قطع كثيرا من الصالحين بصلاحهم عن مصلحهم ، كما قطع كثيرا من المفسدين بفسادهم عن موجدهم ،
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ غافر : 56 ] انتهى . فانظر فهّمك اللّه سبيل أوليائه ومن عليك بمتابعة أحبائه هذا الورع الذي ذكره هذا الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، هل كان فهمك يصل إلى هذا النوع من الورع ؟ ألا ترى قوله : قد انتهى بهم الورع إلى الأخذ من اللّه وعن اللّه والقول باللّه والعمل للّه وباللّه على البينة الواضحة ، والبصيرة الفائقة ، فهذا هو ورع الأبدال والصديقين ، لا ورع المتنطعين الذي ينشأ عن سوء الظن وغلبة الواهم انتهى . قلت : هذا الورع الذي ذكره الشيخ هو ورع الخواص أو خواص الخواص ، وهو الذي يقابل الطمع كما تقدم في قول الحسن البصري
هامش
( 1 ) من التدلل .