رأيت القناعة رأس الغنى * فصرت بأذيالها ممتسك
فألبسني عزّها حلة * يمرّ الزّمان ولا تنتهك
فصرت غنيّا بلا درهم * أتيه على النّاس تيه الملك
قلت : وهذا هو الغنى الأكبر والإكسير عند الأكياس ، ويسمى في اصطلاح الصوفية الورع ، أعني الورع الخاص وهو رفع الهمة عن السوى . قال في لطائف المنن : واعلم رحمك اللّه أن ورع الخصوص لا يفهمه إلا قليل ، فإن من جملة ورعهم تورعهم أن يسكنوا لغيره أو يميلوا بالحب لغيره ، أو تمتد أطماعهم بالطمع في غير فضله وخيره . ومن ورعهم ورعهم عن الخوف مع الوسائط والأسباب ، وخلع الأنداد والأرباب . ومن ورعهم ورعهم عن الوقوف مع العادات ، والاعتماد على الطاعات والسكون إلى أنوار التجليات . ومن ورعهم ورعهم عن أن تفتنهم الدنيا ، أو توقفهم الآخرة : تورعوا عن الدنيا وفاء ، وعن الآخرة صفاء . قال الشيخ عثمان بن عاشوراء رضي اللّه تعالى عنه : خرجت من بغداد أريد الموصل ، فأنا أسير وإذا بالدنيا قد عرضت علي بعزها وجاهها ورفعتها ومراكبها وملابسها ومزيناتها ومشتهياتها ، فأعرضت عنها ، فعرضت علي الجنة بحورها وقصورها وأنهارها وثمارها ، فلم أشتغل بها ، فقيل لي يا عثمان :
لو وقفت مع الأولى لحجبناك عن الثانية ، ولو وقفت مع الثانية لحجبناك عنا ، فها نحن لك وقسطك من الدارين يأتيك . قال الشيخ عبد الرحمن المغربي رضي اللّه تعالى عنه : وكان مقيما بشرقي الإسكندرية : حججت سنة من السنين ، فلما قضيت الحج عزمت على الرجوع إلى الإسكندرية ، فإذا النداء علىّ إنك العام القابل عندنا ، فقلت في نفسي : إذا كنت العام القابل هاهنا فلا أعود إلى الإسكندرية . فخطر عليّ الذهاب إلى اليمن ، فأتيت إلى عدن ، فأنا يوما على ساحلها أمشي ، وإذا بالتجار قد أخرجوا بضائعهم ومتاجرهم ، ثم نظرت فإذا رجل قد فرش سجادة على البحر ومشى على الماء ، فقلت في نفسي لم أصلح