تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب القطب الرباني سيدي عبد الوهاب الشعراني — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦

طائفة أخرى من أخلاقه رضي اللّه عنه

وكان رضي اللّه عنه يحمل هم عدوه مثلما يحمل هم صديقه لا سيما إن أحوجه الدهر إليه وجاءه وتذلل بين يديه وسأله في رد ظالم عنه فإنه يكاد يذوب في نفسه حزنا عليه ويحس بأن رأسه يضرب بطبل ليلا ونهارا حتى تقضى حاجته ويزول عنه الهم والغم . وكان رضي اللّه عنه يحفظ عدوه في غيبته أكثر من صديقه وذلك لأن العدو لا ترجى مسامحته ولا صفحه عنه بخلاف صديقه ، وإن من اغتاب عدوه أو صفى إلى تنقيص أحد فيه وادعى العقل والصلاح فهو كاذب ، لأن من عقل الرجل ألا يورد نفسه موارد الهلاك ومن شأن الصالح أن يحمل الأذى ولا يحمله لغيره . وكان رضي اللّه عنه كثير الشفقة على عدوه ، وكراهته لكل شيء يؤذيه ويتكدر لأجله ، فلا يمكّن أحدا يذكره بخير عند عدوه ، ولا يلبس الثياب الفاخرة المبخرة إذا مر عليه ولا يصاحب له عدوا ولا صديقا إلا بطريق شرعي ، فإن مصاحبته لعدوه زيادة إثم لهما ، ومصاحبته لصديقه تحرك عليه الكراهة لصديقه بسبب مصادقة الشيخ لصديق عدوه ، فيرى بعده عن أصدقاء عدوه وأعدائه أولى للشيخ وللعدو ولأصدقائه وأعدائه . وكان رضي اللّه عنه كثير الصبر على زوجته إذا مرضت وطال مرضها ولو سنة أو أكثر ، وإن خاف ضررا من ترك الجماع تعاطى الأسباب المسكنة للشهوة وإن مشيت « 1 » بطنها خدمها وغسل ثيابها ونظف ما تحتها من القذر ، وذلك كله قياما بحق الصحبة ولو ليلة ، أو ليجازيه اللّه تعالى بذلك إذا مرض ، وإذا مشيت بطنها لا يحكي ذلك قط لصاحب له ولا صديق ولا أحد من الناس ، لأن كل من عامل اللّه تعالى وحده لا يحب أحدا يطلع على عمله ، وإذا كان معها ولد صغير لاهاه وسهر به الليالي كما كانت أمه تفعل وهي صحيحة ، لا سيما إن كان ربيبه ، زاد في خدمته لعلمه أن الأجر فيه أكثر من ولده لوجود الإخلاص .
هامش
( 1 ) بالأصول : « مشت » ، والمعنى إطلاق البطن .