تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب القطب الرباني سيدي عبد الوهاب الشعراني — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
ومن ذلك قول أبي يزيد رضي اللّه عنه : سافرت في اللّه ومعناه سافرت في حب اللّه عز وجل ، من باب قوله تعالى :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
« 1 » ،
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا
« 2 » ، ونحو ذلك . ونظير ذلك قول بعضهم : سافرت من اللّه إلى اللّه ، ليس المراد بذلك مسافة التحيز على اللّه تعالى ، وإنما المراد ابتداء سفري إلى انتهائه بعون اللّه تعالى وقدرته لا بحولي وقدرتي . فافهم . ومن ذلك قول سيد الطائفة الجنيد رضي اللّه عنه : « العارفون لا يموتون وإنما ينقلون من دار إلى دار » ، ومعناه ، أنهم لما جاهدوا في نفوسهم حتى ماتت شهواتها ، حييت قلوبهم فلما جاءهم الموت المعروف كأنهم لم يموتوا بسهولة طلوع روحهم إذ ليس لهم علاقة في الدنيا يلتفتون إليها حتى يصعب عليهم الانتقال عنها ، وما صعبت الروح على أهل الدنيا إلا لتعلق نفوسهم بشهواتها وحجابهم عن نعيم الآخرة ، وأما الأكابر فإن وقع لهم صعوبة في طلوع الروح فإنما ذلك لحبهم طاعة اللّه تعالى في الدنيا والقيام بشعائر دينهم حبا في اللّه تعالى أو اهتماما بقومهم الذين كانوا يرشدونهم حين ماتوا ويقع لهم كشف حجاب ونحو ذلك من الأغراض الصحيحة . فافهم . ومن ذلك قول بعضهم : حدثني قلبي عن ربي ، ومعناه حدثني قلبي من طريق ملك الإلهام عن ربي ، فليس مراد هذا القائل أن اللّه تعالى كلمه كما كلم موسى عليه السلام . ومن الفرق بين وحي الأنبياء ووحي الإلهام للأولياء أن الولي يلهم بواسطة رقائق ملك الإلهام من غير أن يراه ثم لو قدر أنه يراه ، لا يراه حال كلامه له إذ لا يجمع بين رؤية الملك وسماع كلامه إلا نبي ، وأما الولي فإن رأى الملك لا يراه مكلما له وإن سمع كلامه لا يرى شخصه ، وذلك لأن النبي متبوع والولي تابع لأنه يدعو لشرع نبيه الذي تقرر والنبي يريد أن ينشئ شرعا وينسخ آخر ويقرره فاحتاج إلى مزيد تأييد وتحقيق .
هامش
( 1 ) سورة الحج : الآية الكريمة / 78 . ( 2 ) سورة العنكبوت : الآية الكريمة / 69 .
مناقب القطب الرباني سيدي عبد الوهاب الشعراني — صفحة 124 | جودة محمد ابو اليزيد المهدى / محمد عبد القادر نصار / محمد بن عبد الرحمن المليجي الشعراني الشافعي