تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب القطب الرباني سيدي عبد الوهاب الشعراني — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
هذا في تطور العمل كله صورة ، وأما تصور حروف الأذكار صورا فيتطور كل حرف ملكا يعمل بعمل صاحبه من البشر ويتطور كذلك من كل حرف ملك أرق وأصفى من الملك المتطور من حروف كلام البشر . وهكذا القول في تطور حروف الدور الثالث من الملائكة وما بعده ، كل ملك يعمل بعمل من قبله ويتطور بأذكاره ملائكة بعددها . فلو كشف للعبد لرأى الجو كله مملوءا من الملائكة المتطورة من ورده ثم إن هذا المشهد لا يكون إلا لمن انجلت مرآة قلبه من محبة الدنيا وشهواتها حتى صار باطنه لا يميل إلى شهوة كالملائكة . وكان رضي اللّه عنه لا يدعو على شريف ولا يتوجه إلى اللّه تعالى فيه إذا ظلمه وآذاه ، فيرى ذلك جزاء لبعض ذنوبه ، ولكونه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان رضي اللّه عنه يفرح ويسر إذا جفاه إخوانه وتركوا زيارته ونسوه ، فإن العمر قد ضاق عن مسامحة النفس بمجالس اللغو والهذيانات وعن كل عبادة ليس فيها إخلاص من علم أو عمل ، فأسرّ الأيام عنده يوم لا يدق عليه أحد الباب ، ليخلو بربه وحده ، وكلما قل مجيء الإخوان إليه كلما قلت حقوقهم عليه . وكان رضي اللّه عنه يسأل اللّه تعالى في كل ليلة ألف مرة أن يحبب نبيه صلى اللّه عليه وسلم فيه لما يترتب على ذلك من المصالح فإنه صلى اللّه عليه وسلم هو الواسطة العظمى لجميع الخلق دنيا وأخرى فمن أحبه واعتنى به لا يلحقه سوء أبدا . وكان رضي اللّه عنه يطوّل روحه « 1 » على عدوه إذا خالطه وادعى محبته كاذبا فلا يفضحه قط بقوله له : تكذب في محبتي ، بل يوافقه على دعواه ويصير يقول للناس : فلان يحبنا مع أخذ حذره منه غاية الحذر ، لأنه كان رضي اللّه عنه أعلم بأنه إنما خالطه ليحصي عليه زلاته حتى يتهموه بها حال غيظه وغضبه عليه . وقد صار هذا النوع في الخلق كثيرا الآن فيظهر أحدهم الكلام الحلو والمحبة حتى كأنه من أعز المحبين ، ثم في أسرع مدة يصير كلامه أمر من الزقوم والحنظل .
هامش
( 1 ) أي يطيل صبره .