وكان رضي اللّه عنه يكره الأكل من طعام النذور والأعراس الواسعة والعزائم والجمع وتمام الشهر . فلم يأكل رضي اللّه عنه من ذلك مدة حياته تشريفا لنفسه ومكرمة لها لأمور يعلمها تدق على أمثالنا .
وكان رضي اللّه عنه إذا ظلمه أحد في ماله أو عرضه بادر إلى شهود أنه من اللّه تعالى وفيه حكمة له ونفع باطني راجع إليه ولا يتكدر من ذلك الظالم بل يرى أن ذلك بعض ما يستحقه في بعض ذنوبه السالفة منه .
قلت : ويرى بعين أخرى الغيظ على من ظلمه لتعديه الحدود الشرعية ويسأل اللّه تعالى له التوبة والغفران وإذا غفل عن التوبة ذكره بها حتى لا يكون السبب في عقوبته ، واللّه أعلم .
وكان رضي اللّه عنه يسمع تسبيح الجمادات والحيوانات في أوائل دخوله الطريق وذلك أنه كان يصلى صلاة المغرب خلف إمام جامع الغمري فانكشف له الحجاب عن قلبه من صلاة المغرب إلى طلوع الفجر وصار يسمع تسبيح جميع ما في مصر من جماد وحيوان ثم اتسع إلى سماع تسبيح جميع ما في قراها ثم تسبيح ما في سائر الجهات إلى البحار المحيطة وسمكها وسمعه يقول في تسبيحه : « سبحان الملك الخلاق رب الجمادات والحيوانات والنبات والأرزاق ، سبحان من لا ينسى أحدا من خلقه ولا يقطع بره عمن عصاه » ، وذلك في سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة ثم إن اللّه تعالى رحمه وأسدل عليه الحجاب ولولاه لذهل عقله .
قلت وبهذا يؤيد قول من قال بحياة كل ما في الوجود حتى الجمادات ، واللّه أعلم .
وكان رضي اللّه عنه إذا قرب من جامع الفاكهاني بنحو سبعة أذرع متوجها من الغورية إلى باب الجامع ، وكذا من باب الكتبيين إلى مدرسة الأشرفية بنحو سبعة أذرع أيضا ترعد فرائصه من الهيبة والجلال والخشوع من كثرة ما وقع له فيهما من التجليات الإلهية والآداب الربانية والتهديدات البشرية « 1 » .
هامش
( 1 ) كذا بالأصول .