قال رضي اللّه عنه قد تحققت بحمد اللّه تعالى بهذا الخلق لما أخذ جماعة السلطان مكاتيب وقف زاويتي وأشاعوا أن أصل ذلك من إقطاع السلطان للعسكر فلم يتغير مني شعرة واحدة على جماعة السلطان .
وكذلك وقع لي لما أخذ عبد اللّه بن بغداد حليات عليّ وختم عليها وكانت نحو خمسمائة حالية « 1 » لم تتغير حتى عليه شعرة ولم أتلفظ بدعوة واحدة . انتهى كلامه بحروفه .
وكان رضي اللّه عنه لا يتردد إلى بيوت جميع الحكام إلا لضرورة شرعية ترجح على عدم تردده مما ينفع أحدا من المسلمين .
وكان رضي اللّه عنه يعظم ولاة زمانه كثيرا من قاض ومحتسب وكاشف وشيخ عرب على الوجه الشرعي أو العرفي أدبا مع اللّه تعالى الذي ولّاهم لا لعلة أخرى . وفي تواضعه لهم دقيقة قل من ينتبه لها وهي أن ذلك الأمير أو القاضي أو المحتسب مثلا ما طلع لفقير ليزوره حتى خلع كبرياءه وعظمته وفخامته « 2 » تحت عتبة الفقير ولم يجتمع بالفقير إلا وهو يرى نفسه دونه ولو أنه لم يخلع عظمته وكبرياءه وفخامته ما طلع له قط على وجه الإجلال . وأما كونه ظلم نفسه أو غيره فكلنا كذلك خطاءون فلا مزية للفقير عليه فإذا : الأمير له الفضل على الفقير في تواضعه له وخلع عظمته لأجله فاللائق بالفقير إكرام الأمير إذا كان كذلك .
وكان رضي اللّه عنه لا يحب تردد أحد من الأكابر إليه من عالم أو صالح أو أمير أو كبير فيتشوش من ترددهم إليه تعظيما لهم خصوصا إن أتى أحد منهم ماشيا كما كان يفعله معه الشيخ شهاب الدين بن الشلبي الحنفي وأخوه الشيخ سراج الدين فكان رضي اللّه عنه يذوب من الحياء منهما إذا فعلا ذلك .
هامش
( 1 ) كذا بالأصول .
( 2 ) بالأصول : « ضخامته » ، وما أثبتناه أقرب للصواب .