تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب القطب الرباني سيدي عبد الوهاب الشعراني — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
ووقع له أيضا أن جماعة السلطان ألزموه بإحضار الأمير محي الدين ابن أبي إصبع لكونه كان يتردد عليه قبل أن يستخفي ومدوه للقتل فصار يبتسم ولم تتغير منه شعرة وعلم من نفسه أنه تحقق بمقام التوحيد للّه عز وجل . وأخذ رضي اللّه عنه على أصحابه العهد أنهم لا يثنون عليه في مجلس ولا يجيبون عنه عدوا لا سيما في مجالس الأكابر لكونه سامح جميع هذه الأمة المحمدية في كل ما يؤذونه به من سائر المؤذيات إلا أن يرد أحدهم عن عرضه امتثالا للشارع فذلك مطلوب . قلت ولا يقدر على العمل بمثل ذلك إلا من ثبت قدمه في معاملة اللّه عز وجل ولم يلتفت إلى قول أحد من الخلق اكتفاء بعلم اللّه تعالى ، واللّه أعلم . وكان رضي اللّه عنه يخفض جناحه لفسقة المؤمنين كالحشاشين والمقامرين وجميع أصحاب الكتب المذمومة ولا يحقر أحدا منهم إلا من حيث فعله فقط بدليل قوله تعالى
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ
« 1 » . وكان رضي اللّه عنه كثير النصح لجميع إخوانه ولم يغش أحدا منهم مدة حياته في أمر مذموم ارتكبه ولا سكت عليه أبدا ، والنكتة في ذلك كونه يصحبهم للّه تعالى على رضاهم مع عفته عما بأيديهم من الدنيا ، ولو أنه صحبهم للدنيا لربما وقع في غشهم مراعاة لخاطرهم خوفا عليهم أن ينفروا عنه . وكان رضي اللّه عنه يشهد أن اللّه تعالى هو الرزاق كشفا ويقينا لا إيمانا وتسليما فقط . فإن الإيمان قد يحجب صاحبه بخلاف صاحب الكشف لا يقع له حجاب بعد الكشف ، ومحل الصدق في ذوق « 2 » هذا المقام أن لو قام الولاة عليهم وأخرجوه من زاويته وأخذوا رزقته التي كان قوته منها لا تتغير منه شعرة وذلك لعلمه بأن الرزق يعطيه لمن يشاء ، ومع ذلك كان رضي اللّه عنه يشهد أن الخلق إنما هم واسطة بينهم وبين الحق تعالى في تحويل ذلك الرزق من حيث إن له بقاء الفعل بالآلة وبغير الآلة .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : الآية الكريمة / 11 . ( 2 ) بالأصول : « دون » ، ولا مفهوم لها ، وما أثبتناه أقرب للصواب .