وكان رضي اللّه عنه لا يلتفت إلى شيء وقع منه أو نسيه في مكان ولو إردبا من ذهب أو فضة ولا يبعث قط مناديا ينادي عليه هوانا بالدنيا وتنشيطا لهم المريدين . وكان رضي اللّه عنه لا يزاحم على شيء فيه رئاسة دنيوية مطلقا أو أخروية وكان هناك من هو أولى بها منه لكثرة علمه أو كبر سنه أو معرفته بسياسة الذين هم تحت رئاسته أو لكثرة احتماله أذاهم .
وكان رضي اللّه عنه يكبر بإخوانه كثيرا عند الأمراء ويحبب الأمراء والكبراء فيهم وفي اعتقادهم وصحبتهم ويفرح إذا تغير اعتقاد الأمراء وغيرهم فيه بعد صحبتهم أو زال اعتقاد الأمراء وغيرهم فيه .
وكان رضي اللّه عنه كثير الأجوبة عن أئمة الدين من العلماء والصوفية ولا يحملهم إلا على أحسن المحامل في فعالهم وأقوالهم ، وإن عجز عن الجواب عنهم سلّم لهم ووقف عن الإنكار عليهم ، وذلك لعلمه بأن منازعهم « 1 » دقيقة عن عقول أمثاله . وكان رضي اللّه عنه ينشرح صدره لتقديم زيارة من ينكر عليه أو يكرهه على زيارة من يعتقده أو يحبه .
وكان رضي اللّه عنه لا يرى له ملكا مع اللّه تعالى في شيء أعطاه له بل كان رضي اللّه عنه يخرج من ملكه إلى اللّه تعالى ولا يبقيه على ذمته إلا بقدر ما يتحقق بالعطاء ليشكره عليه ، وقد تحقق بذلك ، فلا يرى له ملكا مع اللّه تعالى في الدارين ، إنما كان يرى نفسه عبدا غارقا في صدقات سيده في الدنيا والآخرة لا غير . ووقع له في أوائل دخوله في طريق القوم أن شخصا لقيه في سوق خان الخليلي لا يعرفه فقبض على طوقه وصار يصفعه في عنقه ويقول للناس إن هذا الرجل أفسد امرأتي وفي عبارة أفسد جاريتي فلا يزال يسحبه حتى قرب من الجامع الأزهر ثم نظر في وجهه وقال له : أنا قد غلطت فيك وأقول أستغفر اللّه تعالى ، فلم تتغير منه عليه شعرة بل صار ينظر إلى خالق تلك الحركة وذلك القول على جوارح ذلك الشخص ويبتسم . انتهى .
هامش
( 1 ) بالأصول : « منازعتهم » ، والصواب ما أثبتناه موافقا لمصطلح سيدي عبد الوهاب في الميزان الكبرى وغيره .