تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
مشاهدة ومعاينة ، ولا تباين بين الحقيقة والشريعة لتلازمهما معا ، لأن الطريقة إلى اللّه تعالى لها ظاهر وباطن ، فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة ، فبطون الحقيقة في الشريعة كبطون الزبد في اللبن ، والمعدن في الكتر ، فبدون خض اللبن لا يظهر الزيد ، والحفر بمثابة الطريقة ، والمراد من الشريعة والحقيقة والطريقة إقامة العبودية والتحقق بها على الوجه المراد منك ، ولذا دعى اللّه حبيبه ليلة الإسراء بقوله :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
« 1 » قال ابن عطاء اللّه : الحقيقة عين الحكمة ، والشريعة أمرها ، فمن خالف الأمر خالف العين . تنبيه : اعلم أن الحقيقة مبنية على أسرار خفية وإشارات علية ورموز عجيبة والغاز غريبة ، قال تعالى :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
« 2 » الآية ، وقال تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
« 3 » وقال ابن عطاء اللّه : من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يكن يعلم ، ولا يدرى تلك الأمور إلا من سار في طريقة الأفراد وصاحبهم وكشف له عن سر حقيقتهم واستظل بظل ركبهم ، وترقى بالصدق والعشق في حبهم ، فأدركوه المدارك وسلكوه المسالك ، لأن الطرائق عدد أنفاس الخلائق ، إلا طريقتهم واحدة ، فإذا فهم تلك الأشائر ووردت عليه البشائر ساح ، فإذا كتم ما أطلعه اللّه عليه وأخفى ما ظهر من الأسرار لديه زاده اللّه من فضله الوافر ، وأمده بمدده السافر ، قال تعالى في كتابه المجيد :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
« 4 » فشكر الأسرار صونها عن الأغيار ، لأنها ليس في كشفها لهم فائدة ،
هامش
( 1 ) سورة الإسراء آية 1 . ( 2 ) سورة آل عمران آية 7 . ( 3 ) سورة البقرة آية 282 . ( 4 ) سورة إبراهيم آية 7 .
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 93 | محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )