تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
وإلا لم يصل لمراده ، ولا يستقيم له طريق بل يشتغل عن العبادة بما أصابه من الهم والغم والحزن والفكر ، وذلك هو الخسران المبين ، ويفرغ قلبه من خوف اللّه وعظمته ، وقال الفضيل : من عزم على قطع الطريق فليجعل بين عينيه أربعة أبواب من الموت : موت أبيض ، وموت أسود ، وموت أخضر ، وموت أحمر ، فالموت الأبيض الجوع ، والأسود ذم الناس له ، والأخضر وقائع البلايا بعضها على بعض ، والأحمر مخالفة النفس والشيطان ، له منه الصبر على الطاعات بأن يكلف كل عمل شاق يعسر عليها ارتكابه ، لعل ذلك يوصلها إلى مرادها . ثم قال في المعنى :
نفس المحب على الأسقام صابرة * لعل مسقمها يوما يداويها لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها اللّه أعلم أن النفس قد تلفت * شوقا إليك ولكني أهنيها
ثانيها : الصبر على العزلة والخلوة والفرار من الخلق جملة كافية إلا من شيخه . ثالثها : الصبر على الحضور مع الحق وعدم التفرقة بالخواطر الموجبة للتشتت والتفرقة والخروج من الجمعية باللّه ، وهو - أعنى هذا الصبر - حقيقته التوقي عن ملاحظة الأغيار ورؤية الآثار ، ففي ذلك مرارة ومشقة شديدة في ابتداء الأمر ، فينبغي للسالك المكابدة للصبر على ذلك حتى تزول الوحشة ويحصل الأنس ، فينقلب صبره لذة ، وكراهته رضاء ، وفرقته جمعا ، وجمعه فرقا ، وينطوى بساط الصبر . وأنشد بعضهم في المعنى أبياتا :
إذا جيش الأحباب جيشا من الجفا * بنينا من الصبر الجميل حصونا وإن ركبوا خيل الصدود مغيرة * أقمنا عليه للوصال كمينا