والثاني : حمل أثقال الطاعات ، لأن الدابة الحرون إذا قل علفها وزيد في حملها ذلت وضعفت وصغرت وانقادت ورجعت وأطاعت .
والثالث : يستعين عليها باللّه ، لا بحزمه ولا بعزمه ، إلا بتوفيق من اللّه ، ألا ترى إلى قول الصديق الأكبر
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
« 1 » ولا بد للمريد أن يكلف نفسه الأعمال الشاقة التي يعسر عليها ارتكابه من صوم وصلاة وذكر مجانبة مألوف ، ثم ينقلها إلى ما هو أشق من ذلك حتى تصبر ولا تنفر من طاعة ولا تتثقلها وتألفها ، بل تتأذى بتركها الطاعات فمهما عودتها تعودت ، وإن منعتها صبرت ، وإن تركتها في شهواتها غوت وهلكت .
قال صاحب البردة :
والنفس كالطفل إن تهمله شب على * حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وأنشد بعضهم فقال أبياتا :
صبرت عن اللذات حتى تولت * وألزمت نفسي هجرها فاستمرت
وكانت مدى الأيام نفسي عزيزة * فلما رأت عزمي على الذل ذلت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى * فإن أطعمت فاتت وإلا تسلت
وسيأتي الكلام على أوصافها وما يتعلث بها في الباب العاشر ، إن شاء اللّه تعالى .
والثالث : الحزن للّه ، وهو قبض القلب عن التفرقة في أودية الغفلة وصاحبها يقطع في طريق اللّه ما لا يقطعه من فقد حزنه في سنين ، وفي الخبر أن اللّه يحب كل قلب حزين .
هامش
( 1 ) سورة يوسف آية 53 .