تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
تروم الوصل ثم تنام ليلا * يغوص البحر من طلب اللآلي ومن رام العلا بغير كد * أضاع العمر في طلب المحال
واعلم أن مجاهدة النفس وعلاجها أشد وأصعب من مجاهدة الشيطان ، لأن النفس لا يمكنك التجرد عنها بحال من الأحوال قطعا ، وهي مصيدة الشيطان وآلته ، وهو عدو خارج ، وهي عدو حاضر معك في داخل جوفك ، واللص إذا كان من أهل البيت ضاعت فيه الحيل وكثر فيه الضرر ، بخلاف ما إذا كان خارجا فإنك تدبر عليه وتمنعه ، وأيضا الشيطان عدو مبغوض ، والنفس عدو محبوب ، والمحب يعمى عن عيوب محبوبه ، فإذا استحسن المرء من نفسه قبيحا لا يطلع عليه ولا ينظر إليه حتى يقع في المهالك والبلاء وهو لا يشعر ، ومن شأنها تحسن القبيح وتقبح الحسن لصغرها وعدم بلوغها ، وقال بعضهم : من لم يجاهد نفسه في جميع الحالات ولم يخالفها في جميع الشهوات ولم يجردها من جميع المكروهات ، وإلا فهو مغرور في سائر الأوقات ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « هل أدلكم على صاحب إن أنتم أجعتموه أو أهنتموه أكرمكم ، وإن أكرمتموه أفضى بكم إلى شر غاية » قالوا : يا رسول اللّه ، واللّه إن هذا لشر صاحب ، قال : « والذي نفسي بيده إنها لنفوسكم اللاتي بين جنوبكم » وقيل : أوحى اللّه إلى بعض الأنبياء : عاد نفسك فليس لي منازع في المملكة غيرها ، أي لأنها تطلب ما هو للرب تعالى ، وهو الكبرياء والعظمة والجاه والشهوة وامتثال الناس لها ، قال بعضهم : سجنك نفسك فإن خلصت منها وقعت في راحة الأبد وإن وقعت في حبالها وقعت في تعب الأبد . وفي الحقيقة أن أمر النفس ومجاهدتها وعلاجها صعب وعسر ، لا يكن بمرة واحدة بل بالتكرار مرة بعد أخرى ، وقد شبهها بعضهم بالدابة الحرون فلا تنقاد إلا باللجام ، وإنما تنقاد وتذل بثلاثة أشياء : الأول : منعها من شهواتها ، فإن الدابة الحرون إنما تلين إذا نقص علفها .