تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
يشرق الأنوار ويفرق الأكدار ، بالفكر يعرف العبد ما يناسب حاله ، فيلوى عليه آماله ، وما لا ينفعه تركه ووضعه ، والتصفية والتخلية يكونان في العقل والفكر والقلب والروح والسر والحواس الظاهرة ، إذ هما كناية عن التطهير والتقديس ، فطهارة العقل عدم وقوفه عن كون من الأكوان ، وطهارة الفكر أن لا يمر فيه ما يشغلك عن الرحمن . واعلم أنك إذا قلت في الوقت مع المأمور مقهور فقد أعطيت بمجاهدتك كمال الأجور ، وطهارة القلب فراغه عن حلول شئ فيه ، إذ هو بيت الرب فيجب عليك أن تفرغه وتصفيه ، وطهارة الروح عدم الوقوف مع الفيض والفتوح ، والتحقق بحقائق العبودية ، والخروج عن الوجود بالكلية ، وطهارة السر عدم شهوده سواه ، والغيبة به فيه عن كل ما يراه . وطهارة الحواس الظاهرة بمياه الفيوضات الباهرة ، وطهارة السمع عدم السماع إلا منه ، وطهارة العين عدم شهود غير العين في كل أين وبين حسن وشين ، وطهارة الشم في استنشاق نسيم الحي ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » طريق معرفة النفس على نهج الخواص الكمل لا يكون إلا بالمجاهدة والتصفية ، وهما من أنواع المجاهدة ، فمن لا مجاهدة له لا مشاهدة له ، قال أبو علي الدقاق : من زيّن ظاهره بالمجاهدة زين اللّه باطنه بالمشاهدة ، ومن لم يجاهد نفسه في بدايته لم يشم للطريق رائحة ، وقال بعضهم : بنيت الطريق على ثلاثة أشياء : لا يأكل مريدها إلا عند الفاقة ، ولا ينام إلا عند الغلبة ، ولا يتكلم إلا عند الضرورة . وأنشد بعضهم فقال :
بقدر الكد تكسب المعالي * ومن طلب العلا سهر الليالي
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 80 | محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )