الرابع والعشرون : أن لا يعين مدة الخلوة ، فلا يحدّث نفسه بالخروج منها بعد الأربعين ، فإن حدّث نفسه فقد خرج في اليوم الأول ، ولكن يحدثها بأنها قبره إلى يوم القيامة ، وهذا دقيق لا يتنبه له إلا البالغون ، ولا يأنس إلى الخلوة حتى يجانب كل من يعاشره ويصاحبه ويأنس بكلامه أو برؤياه فيستوحش من ضدها ، ثم يستأنس بذكر اللّه عز وجل ، ثم لا يزال مستأنسا بالخلوة والذكر حتى تنقطع عنه الأضداد ، ثم يأخذ من هنا في بداية الخلوة المعنوية ، فيكون بصورته مع الأغيار ، ومعناه مع اللّه عز وجل ، ويؤيد ذلك قول الجنيد لمريده : إذا كان أنسكم باللّه في الخلوة استوى عندكم الصحارى والخلوات ، وإن كان أنسكم في الخلوة ذهب أنسكم إذا خرجتم منها .
فهذه الشروط مما يجب على المريد حفظها ومعرفتها ليعرف ما يطلب منه وما يجب التحرز منه ، ثم ملاك هذا كله الهمة والتوفيق .
وأما أصول الطريق فقد عدها صاحب « القول المتين في فضل الذكر والتلقين » عشرة ، وأوصلها إلى ثلاثة عشر :
الأول : التوبة ، بالمعنى المتقدم .
الثاني : المجاهدة للنفس ، وهي إتعاب النفس في الأمر الجائز ، وقال بعضهم :
ترك المألوف والعادات وتحمل المشقات .
واعلم أيها المريد الموفق السعيد أن القوم أجمعوا على أن المجاهدة لا بد منها في سلوك طريق الأخيار الذين هم سيئاتهم حسنات الأبرار ، مستدلين لذلك بالكتاب والسنة :
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 78
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص٧٨