خلوته وقال : أنا اللّه وأنت وليي وحبى ، وقد أبحتك ارحم نفسك من العناء والمشقة والتعب فلست أغضب عليك بعد هذا اليوم .
فليعلم أن هذا الخطاب لا يخلو إما أن يكون من جهة من الجهات الستة ، أو من غير جهة ، فإن كان من جهة فهو من الشيطان قطعا ، فليتعوذ باللّه ويتحصن بالذكر والإخلاص ، وقراء القرآن - إن كان قارئا - وإن كان هذا من غير جهة فهو من الحق سبحانه وتعالى ، لكن لا يخلو إما أن يكون من باب المكر والطرد من اللّه
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
« 1 » وإما أن يكون من باب الرضى الدائم ، كما وقع لأهل بدر من قوله :
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ
« 2 » فعلم بالضرورة أنهم بعد ذلك لم يدعوا فرضا ولا نفلا ولم يخرجوا عن حكم شرعي ، وعلامة الثاني أن يصحبه الحظ والأنس باللّه ، والأول يصحبه الميل إلى الزمان والشهوات النفسانية فيستعيذ باللّه من اللّه ، كما جاء في الحديث : « أعوذ بك منك » ويتحفظ من الأول بدليل الاعتقاد العلمي : الإيمان باللّه ليس كمثله شئ ، ولا تدركه الأبصار ، ونحو ذلك ، فإنه ينصرف عنه خائبا وينجو من إغوائه وإضلاله ، ولا بد من تلبسه بعمل قولي كان أو فعلى يشغل به نفسه لما قيل إن النفس دائمة الاشتغال ، إن لم تشغلها بحق أشغلتك بالباطل .
السابع : أن لا يعلق نفسه بكرامة ولو عرض عليه أنواع الكرامات ، لكن يقبل ما يرد عليه من اللّه بحسب الأدب ، ولا يقف معه ، فإنه مهما وقف مع شئ فيحسن الظن باللّه تعالى
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية 15 .
( 2 ) سورة الفتح آية 18 .
( 3 ) سورة طه آية 114 .