وعن أبي أمامة الباهلي قلت : يا رسول اللّه ما النجاة ؟ قال : « احفظ عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك » وقال ذو النون المصري : لم أر شيئا أبعث على الإخلاص من العزلة .
والعزلة نوعان : باطنة وظاهرة ، فالباطنة عزلة القلب مع الحق بحضوره معه ، وعدم ملاحظة الخلق بالكلية ، فيرى الناس أمثال أفياء كما أشار إلى ذلك أبو يزيد ، قال لي : منذ ثلاثين سنة أخاطب الحق والناس يظنون أنى أخاطبهم ، وذلك صفة المحققين من الرجال الواصلين ، والظاهرة والعزلة بالخلوة عن الخلق في مكان بعيد بحيث لا تدرك منهم من يؤذيك ، ولا يدركون منك ما يؤذيهم ، مع التضرع إلى اللّه والانقطاع إليه ، قالت عائشة رضى اللّه عنها : أول ما بدئ به النبي صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤية الصالحة الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث - أي يتعبد - فيه الليالي ذوات العدد ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو بغار حراء .
ثم اعلم أيها الطالب سلوك طريق الأبدال ، التي هي : الصمت والسهر والجوع والاعتزال القاصد مقاصد الكمال ، العازم على التجرد والدخول في سنن الأبطال ، من أراد العزلة بالخلوة لا بد له من تقديم التباعد عن الناس قبل دخولها حتى تألف النفس الوحدة والانفراد ، وتستعد بتقواها ، وليقلل من الطعام والمنام ، ولينو العزلة في عزلته عن الخلق طلب القرب من أحبته ، ويحقق التوبة والإنابة إلى اللّه بالتضرع والخشوع ، ويفرغ باطنه من الغش والحسد والمكر والخديعة والرياء ، ويربط منح أستاذه ربطا محكما حتى يصير فيعه متعسا لغيره من الخلق ، ولو شاهد منهم العجائب من خرق العوائد ، وهذا الاعتقاد أول فتح يفتح اللّه به على المريد أنه قد استعد للخلوة فيدخلها ، ومتى وجد في باطنه تعلقا بالأغيار والتفاتا للآثار ليخرج
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 68
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص٦٨