تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
اهتدت ورجعت إلى اللّه إلا بعد أن ألقيت في بحر الجوع مرارا ، فإذا جوّعها الطالب تذكرت العهد السابق فترجع منقادة بعد الإباية ، ذليلة بعد العزة والغواية ، فإذا كان الجوع والظمأ من أعظم المجاهدة للنفس ، فكان ينبغي أن يكون ذلك بالتدريج شيئا فشيئا وكذا بركه للماء حتى إن بعضهم يزن غذاءه كل ليلة عند الفطر وينقص منه درهما أو أكثر إلى أن يصل غذاءه في اليوم والليلة إلى تمرة أو زبيبة أو لوزة وتكتفى بها المعدة الإنسانية وتنقضى حاجتهم بذلك ، ولا يتضرر الجسد من ذلك وبعضهم يزن غذاءه بخشبة جميز خضراء وينقص كل يوم بقدر ما ينشف منها ، فإذا نشفت أخذ ثقلها خضرة ، وفعل ما تقدم ، وهكذا حتى يتمرن على ما تقدم ، وكذا الماء حتى يصير يمكث الأيام الكثيرة لا يشرب . وقال بعضهم : إذا أردت أن تعرف هل نفسك تقدر على الزهد في الدنيا وإلا فلا ، فازهد في الماء ، قال : قدرت على ذلك قدرت على الزهد في الدنيا . قال بعضهم في ذلك المعنى أبياتا للناقد البصير :
تركت فضول النفس حين رددتها * إلى دون ما يرضى به المتعفف وأملت أن أجرى خفيفا إلى العلا * فإن رمتم أن تلحقونى فخففوا لا أستبدلن النفس حتى أصونها * وتنقاد للطاعات حقا وتعرف
قال بعضهم : اعلموا أننا جربنا العطش فوجدناه من الشهوة الكاذبة ، وجربه غيرنا فوجده كذلك ، وإذا دفع الشخص نفسه في شرب الماء تركته واكتفت وقنعت الطبيعة الإنسانية بما تستمد من الرطوبات التي في الغذاء ولا تلتفت إليه ولا تشتهيه ، وعلامة صحة الرياضة أن يحدث اللّه للعبد في إحدى أسنانه أو لهاته عينا من ماء ، تجرى من فيه إلى أن يروى ، وهذا كله تابع لصدق المريد في طلبه وعشقه وهمته في بلوغ أربه ، واللّه ولى الهداية والتوفيق .