وفي المعنى قال :
يزيد ظمآن كلما زاد شربه * من الحب فأعجب منه ظمآن بالشرب
وأعجب منه قربه لحبيبه يشفى * ويزداد بالقرب اشتياقا إلى القرب
فلا الشرب يروى ولا القرب به ال * قلب بل يزداد كربا على كرب
وليس شفاء القلب إلا فناؤه * بأحبابه فاسلك به مسلك الحبّ
وحيث لازم الذاكر همته في الذكر ولم يلتفت إلى الواردات ولا إلى الكرامات ولم يلاحظها نال المراد ، وترد عليه علوم حتى يظن أنه فتح عليه بعلوم الأولين والآخرين ، فإذا لاحظ ما يرد عليه من العلوم فهو سوء أدب فيستحق العقوبة ، وعقوبته في هذه الحالة أن يرد إلى حال الفهم ، والفرق بين حال الفهم والعلم أن العلم وجود يرد على القلب من حيث العلم ، والفهم نظر إلى ذلك العلم ، فإذا نظر إلى الفهم فقد أساء أدبه ، وعقوبته أن يرد إلى حال الغفلة .
ثم اعلم أنه لا يحصل لك الفتح إلا بالتخلق بآداب الذكر لأن كل عبادة خلت عن الأدب فهي قلة الجدوى ، وأجمع الأشياخ على أن العبد يصل بعبادته إلى حصول الثواب ودخول الجنة ، ولا يصل إلى حضرة ربه إلا أن صحبه أدب في تلك العبادة .
ومن المعلوم أن مقصود القوم القرب من حضرة اللّه الخاصة ، المصطلح عليها عندهم ، ومجالسته فيها من غير حجاب ، وأما النواب فحكمه عندهم كحكم علف البهائم ، قال تعالى : « أنا جليس من ذكرني » يعنى ذكرني على وجه الأدب والحضور ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أدبنى ربى فأحسن تأديبى » والمراد بالمجالسة انكشاف الحجب للعبد أنه بين يدي ربه ، عز وجل ، وهو يراه ومطلع عليه فمتى أدام العبد هذا الشهود فهو جليس اللّه ، فإذا غاب عن ذكر الشهود خرج من حضرة اللّه ،