لذلك ، وهو أن القطعة من الفحم إذا وقع عليها ضوء النار لكن لا بسبب المقابلة ، بل بسبب وقوعها على حائط مثلا ، ثم انعكس الضوء من الحائط على قطعة الفحم فأضاءت وهذا مثال لعلم اليقين ، وإذا كانت القطعة الفحم بجانب النار بحيث تشعر من حرارتها وتفنى أوصافها في أوصاف النار وانفعالها بانفعال النار ، وهذا مثال لحق اليقين ، وهذا التحقيق مأخوذ من كلام سيدي محيي الدين بن العربي وغيره ، فقد قال : ولا تعتقد أن ذات العبد تفنى في ذات الحق ، فلا يبقى إلا الحق ، فإن ذلك ضلال وجهل لا يرضى به المحققون ، وإن وقع من أصحاب السطح ما يشعر بذلك فإن السطح مردود عن أهله ، وهو عبارة عن كل كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى ، وهو من زلات السالكين ، وقال ابن الحاج في شرف الحكم ، فإن قيل : حقيقة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين ، قلنا : العلم المتواتر بوجود الشئ علم اليقين ورؤيته دون الحلول به عين اليقين .
والحلول حق اليقين ، مثال ذلك كعلمنا بوجود مكة ورؤيتنا لها وجلوسنا بها ، وإن شئت قلت : رؤية هيول السكر أنه يحيى منه حلاوة علم اليقين .
فانظر رحمك اللّه ما أحلى ضرب هذا المثال من السكر ، فإنه سكر .
الطوالع هي أول ما يبدو من تجليات الأسماء في باطن السالك ، فتحن أخلاقه بها لأنها تنور باطنه .
الحجاب هو انطباع الصور الكونية في القلب المانع من قبول تجلى الحق ، وقد تكثر الأغيار فتكون حجبا ظلمانية ، وقد نقل وتكون حجابا نورانيا ، فلذلك اختلف المحققون في ترك الأسباب والخلوة لئلا تطبع الصور الكونية في قلبه فتمنعه عن تجلى الحق له ، والدليل على أن المانع هو الصور ، إنك ترى العابد الذي ليس سالكا لطريق المحققين يعبد اللّه سبعين سنة فلم يحصل في قلبه شئ مما يحصل
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 191
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص١٩١