والمعاينة قيل : غايتها تحقيق إحاطة الذات التي لا تصلح مع وجودها كرها بغير اللوائح واللوامع ، هذان كناية عن اختلاف أحوال أدب السلوك وما يفتح اللّه به عليهم من المقامات التي يدعون بلوغ كمالها كالزهد والتوكل والرضا والتسليم والمحبة ، وهما والطوالع متقاربة معنى لا يكاد يحصل بينهما كبير فرق ، وإن كانت الطوالع أتم ثم اللوامع ، وهي صفة أصحاب الديانات الصاعدين في الترقي بالقلب ، فتكون الأشياء التي تظهر لهم أولا لوائح ثم لوامع ثم طوالع ، فاللوائح كالبروق ما ظهرت ثم استترت ، واللوامع أظهر من اللوائح ، وليس زوالها بتلك السرعة التي للوائح ، فقد تبقى اللوامع وقتين وثلاثة مثلا ، فإذا لمع الطالع قطعك عنك ، وجمع به التكوين والتمكين .
التكوين صفة أرباب الأحوال ، والتمكين صفة أهل الحقائق ، يقال لنيل الحال والرجوع عنه ، فصاحبه تارة يكون مع الحق وتارة مع نفسه فهو متلون ، ويقال :
الانتقال من مترل إلى آخر إلى أن يصل إلى مطلوبه الأقصى ، فيصير متمكنا فما دام العبد في الطريق فهو صاحب تنوين لأنه يترقى من حال إلى حال ، فإن وصل إلى مقام التوحيد وغلب على قلبه حال الحق العقل ، ومن ثم قال المشايخ : انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم ، فإذا ظفر بنفوسهم فقد وصلوا ، واعلم أن الفقير الحاصل بما يرد على العبد يكون لأحد أمرين : إما لقوته أو لضعف الوارد عليه ، فإن كان الوارد قويّا وصاحبه ضعيفا لم يحمله ، وإن كان بالعكس حمله ولم يتغير النفس هي عند القوم ما كان معلوما من أوصاف العبد مذموما من أفعاله وأخلاقه ، وكثيرا ما يعبرون بها عند مبدء الصفات المذمومة ، كقوله تعالى :
إِنَّ